الثلاثاء 14 شوال 1445 ﻫ - 23 أبريل 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

أين سياسة لبنان الخارجيّة؟

مجيد مطر - نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

يشير خبراء في الشأن العربي إلى أنّ قمة جدة، ما قبلها ليس كما بعدها، استناداً إلى أهميتها شكلاً ومضموناً. ففي الشكل ستشارك سوريا في فعالياتها بعد غياب دام 12 سنة، وذلك بشخص رئيسها بشار الأسد الذي سيرأس وفد بلاده، رغم الجدل السياسي الذي انطلق حول مشاركته في القمة العربية، التي لا يختلف حول أهميتها عاقلان، وذلك انطلاقاً مما يعانيه الشعب السوري من مآسٍ وويلات.

إنّ خطوة إبعاد سوريا عن جامعة الدول العربية قد خلقت نظاماً عربياً مغايراً عما سبق لحظة ابعادها عن الاجماع العربي، وبعودتها أيضاً سينتج نظام عربي جديد يطرح على نفسه محاولات تعريب الأزمات العربية، وفي مقدمها الأزمة السورية وما تصدره من مخاطر حقيقية، ليس «ملف الكبتاغون» أخطر تحدياتها.

ففي جانب تعريب الحلول، يكمن مضمونها السياسي الخطير، الذي نجحت القيادة السعودية في بناء عناصره بصبر وتأنٍ منذ أشهر سبقت، حيث نشطت فيها دبلوماسيتها لرسم خريطة تتضمن الحلول الواقعية للأزمات المترابطة في المنطقة العربية، والتي تدفع الشعوب العربية أثمانها الباهظة، ما أعطى إشارات تفاؤل بأن هذه القمة ستعطي الأمل للعرب كافة، نظراً للدور والمكانة اللذان تحظى بهما المملكة العربية السعودية التي تملك رؤية استراتيجية للأمن القومي العربي، الذي تعرّض لتهديدات وجودية طيلة العقدين الأخيرين، منذ لحظة احتلال العراق إلى يومنا هذا، ليتراجع بنتيجتها التأثير العربي لصالح مشاريع النفوذ والهيمنة الإقليمية: الإسرائيلية، التركية، والإيرانية، فتلك المشاريع أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك تطرفاً في تدخلها بشؤون المنطقة العربية، كان أكثرها سفوراً المشروع الإيراني الذي أعلن سيطرته على عواصم عربية من دون خجل أو وجل.

الضرورة والإمكانيات

إزاء هذا الواقع الذي يشير إلى تحولات خطيرة، سياسية وغير سياسية تحيط بلبنان، نجد أنّ هذا البلد الصغير يعجز صنّاع القرار فيه عن صياغة سياسة خارجية تتعامل أو تحدد أنواع المخاطر والتحديات والفرص في البيئة الخارجية المحيطة به، أو مكامن القوة والضعف في بيئته الداخلية. فمن الصعب تصور دولة مهما صغر أو كبر حجمها أن تسير بلا سياسة خارجية في خضم التحولات المهمة على صعيد العلاقات الدولية.

صحيح أنّ الجيوبولتيك اللبناني يجذب كل أنواع التدخلات الخارجية، بسبب موقعه وانكشافه السياسي والاجتماعي، بفعل التركيبة المجتمعية ذات البنية الطائفية والتعددية ما يفتح الباب أمام جعل لبنان ساحة لتصفية الحسابات والخلافات العربية العربية، فضلاً عن تلك غير العربية، الأمر الذي خلق نوعاً من القدرية السياسية للبحث عن الخارج لإيجاد حلول للداخل، بحسب ناصيف حتي. إلا أنّ هذا الواقع يحتّم على لبنان التصدي له وعدم الركون إليه، خصوصاً في ما يتعلق بالشأن الخارجي والعلاقات الدولية التي تقوم واقعياً على لعبة المصالح حصراً.

من الناحية العملية، لا يمكن فصل التفاهم السعودي – الإيراني عن شكل ومحتوى هذه القمة، خصوصاً وأنّ دورها في اليمن وسوريا والعراق ولبنان أكثر تأثيراً من العرب جميعاً، المجتعمين في جامعة الدول العربية أو «بيت العرب» بحسب التسمية الوجدانية لهذه المنظمة الإقليمية. فهذه التهدئة الاستكشافية التي جاءت برعاية صينية، قد هيّأت بشكل أو بآخر أجواء مؤاتية أراحت الدولة المنظمة لهذه القمة وسهلت لها هذه البيئة التوافقية كفرصة جدية لخلق توافقات عربية حول مصالحهم المباشرة، لا سيما المتعلقة بالأمن القومي، إن بمعناه الشامل أو بمعناه الوطني الخاص. ويمكن الاسترسال أكثر في أهمية التضامن العربي على الصعد كافة.

وفي الوقت الذي توسّم فيه الكثيرون الخير في هذا التفاهم، جاء التوضيح الإيراني، ليقول إنّ مسألة عدم التدخل التي جاءت من ضمن بنود الاتفاق تتعلق فقط بطرفي الاتفاق، أي عدم تدخل كل منهما في شؤون الآخر، ما يعني أنّ ايران ماضية في تدخلاتها في شؤون البلاد المفتوحة أمامها بتسهيل من حلفائها داخل هذه الدولة أو تلك.

وقد بات من المسلم به أنّ الانقسام اللبناني حيال الأزمات الإقليمية والدولية هو نتاج غياب رؤية وطنية شاملة مرتكزة على سياسة خارجية تعكس المصالح اللبنانية وتدافع عنها، بعيداً عن كل انحياز لطرف ضد آخر. إنّ ابسط تعريف للسياسة الخارجية يقول إنها برنامح عمل الغاية منه تحقيق افضل الظروف الممكنة للدولة بالطرق السلمية والدبلوماسية.

وعليه إنّ لبنان مطالب برسم سياسة خارجية تعكس امكانياته، وتتعامل مع ملف النازحين السوريين، وملف النفط والغاز، وترسيم الحدود جنوباً، شرقاً وشمالاً، فسياستنا الخارجية يجب أن تقول للعالم أجمع: إنّ لبنان وطن نهائي، بجغرافيته المستقلة منذ الأزل، وهو عربي الهوية والانتماء، وإن سلم العرب سلمنا، وحربهم حربنا، ولا يمكن أن يقبل لبنان بمقارنة علاقاته بالأشقاء العرب في مقابل أي علاقات أخرى مع أي دولة غير عربية، مهما علا شأنها وأهميتها.

هذا هو المطلوب كي لا يبقى لبنان السيد الحر العربي المستقل، تفصيلاً من التفاصيل المهملة في لعبة المصالح الخارجية.