
تصعيد إسرائيلي يستهدف جنوب لبنان
كتبت صحيفة “الجمهورية”: أعادت المواجهات المتجددة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران المنطقة إلى مسار تصاعدي، مع ارتفاع منسوب التهديدات والاستعدادات العسكرية، بما يعزز المخاوف من انزلاق المواجهة إلى حرب أشد قسوة واتساعاً في نطاق الاستهدافات. ويتزامن ذلك مع تصعيد متزايد على جبهة جنوب لبنان، حيث تواصل إسرائيل اعتداءاتها وعمليات التدمير في القرى والبلدات الجنوبية، في ظل ما تصفه الصحيفة بتجاوزها اتفاق وقف إطلاق النار ونسفها لمندرجات “صيغة الإطار”.
وتتصاعد المخاوف من انتقال الوضع الجنوبي إلى مرحلة أكثر اشتعالاً، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أواخر تشرين الأول المقبل، وسط تقديرات تحذر من احتمال استغلال إسرائيل التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية.
الخطر في تشرين
وقال مسؤول رفيع لـ”الجمهورية” إن الجبهة الأميركية الإيرانية “مفتوحة على احتمالات تصعيدية قاسية”، مشيراً إلى أن مؤشرات ذلك ظهرت خلال اليومين الماضيين من خلال تشديد الضغوط والحصار والعقوبات وارتفاع سقف التهديدات المتبادلة، في ظل انسداد كامل في أفق التوصل إلى اتفاقات أو تفاهمات.
ورجّح المسؤول، في حال وقوع تصعيد كبير، أن يبقى ضمن نطاق زمني محدود، وأن ينتهي بعودة الطرفين إلى مسار التفاوض، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على غرار ما حصل في جولات التصعيد السابقة.
وقال إن التصعيد الحالي قد يشكل “حاجة تنفيسية” للجانبين بعد تراكم الضغوط منذ المواجهة السابقة، مشيراً إلى أن الوسطاء لن يتأخروا، على الأرجح، في إعادة فتح قنوات التفاوض.
وفي ما يتعلق بإمكان انتقال التصعيد من الجبهة الإيرانية إلى جنوب لبنان، استبعد المسؤول هذا السيناريو، معتبراً أن “حزب الله” لا يبدو في وارد الانزلاق إلى تصعيد واسع، لأسباب مرتبطة ببنيته الداخلية وبيئته.
وأشار إلى أن إسرائيل، منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، تجاوزته ورسّخت في الجنوب مستوى من التصعيد يتناسب مع مصالحها، مع الحفاظ على حرية حركة ضمن نطاق محدد، معتبراً أن الوضع يبدو مضبوطاً تحت سقف المنع الأميركي للتصعيد الواسع.
وحذّر في المقابل من أن الخطر الأكبر قد يظهر في الشهر المقبل، في ظل تقديرات دبلوماسية تتحدث عن احتمال شن إسرائيل هجوماً على جبهة علي الطاهر، بهدف السيطرة على التلة وتقديمها كإنجاز لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات.
وفي السياق، أشارت تقييمات أمنية إسرائيلية، نقلتها صحيفة “معاريف”، إلى أن معظم عناصر “حزب الله” الذين تحصنوا داخل شبكة الأنفاق الممتدة في سلسلة جبال علي الطاهر لقوا حتفهم، فيما تمكن عدد قليل منهم من الفرار، بعد أسابيع من الحصار والعمليات العسكرية التي نفذتها الفرقة 36.
وبحسب التقييمات، يرجح الجيش الإسرائيلي وجود ما بين 10 و15 جثة لمقاتلي “حزب الله” داخل شبكة الأنفاق المعروفة باسم “مدن الملجأ”، مرجعاً مقتلهم إلى القصف والاشتباكات المباشرة، فضلاً عن نقص الغذاء والمياه نتيجة الحصار الطويل.
ونفى مصدر عسكري إسرائيلي وجود عناصر أو مستشارين من الحرس الثوري الإيراني داخل الأنفاق منذ بدء العمليات الميدانية، مؤكداً عدم رصد أي وجود لعناصر إيرانية داخلها خلال فترة العمليات العسكرية في المنطقة.
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية: الطريق لم يُغلق
وعلى الرغم من الحديث عن احتمال استئناف المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بجولة جديدة في روما خلال الشهر الحالي، أكدت مصادر سياسية واسعة الاطلاع لـ”الجمهورية” أن لبنان لا يزال ملتزماً بمسار التفاوض بهدف وقف العدوان وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.
وأشارت المصادر إلى عدم وجود مانع أمام المشاركة في جولة جديدة، موضحة أن المفاوضات مقررة من حيث المبدأ، لكن من دون تحديد موعد نهائي حتى الآن.
وأكدت أن رئيس الجمهورية جوزاف عون سبق أن أوضح أن المفاوضات ليست الخيار الأفضل، لكنها “أفضل الممكن”، وأنها ستواجه صعوبات، من دون أن يعني ذلك وصولها إلى طريق مسدود.
وشددت المصادر على أن قرار الدولة اللبنانية حاسم في مواصلة المفاوضات، معربة عن الثقة بدور الوسيط الأميركي وجديته في إنجاح المسار، وإزالة العقبات الإسرائيلية أمام تنفيذ “صيغة الإطار”، وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية.
ضغوط أميركية على “حزب الله”
وفي سياق متصل، كشفت مصادر دبلوماسية غربية لـ”الجمهورية” أن الولايات المتحدة قد تبادر قريباً إلى ممارسة ضغوط على “حزب الله” في ملف السلاح.
وقالت المصادر إن واشنطن تواصل جهودها مع إسرائيل لإنجاح مسار المفاوضات مع لبنان، لكنها تشارك إسرائيل قناعة بأن سلاح “حزب الله” يمثل العائق الأساسي أمام تنفيذ الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل.
وبحسب المصادر، فإن تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان لن يكونا ممكنين من دون نزع سلاح الحزب بالكامل.
واستندت المصادر إلى موقف سابق للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، مفاده أن استمرار “حزب الله” في الاحتفاظ بسلاحه يجعل من الصعب على واشنطن مطالبة إسرائيل بتنفيذ كامل الخطوات المطلوبة منها.
وفي السياق ذاته، ذكرت “معاريف” أن الولايات المتحدة تربط، في اتصالاتها مع إسرائيل، بين تفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله” وبين انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل في جنوب لبنان، في إطار تأكيد واشنطن أن الدولة اللبنانية يجب أن تكون الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح واستخدام القوة على أراضيها.
عون: الأولوية حماية لبنان
من جهته، أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن أمام لبنان فرصاً كثيرة، داعياً إلى عدم إضاعتها في الحسابات الضيقة، والاستفادة من دروس الماضي لبناء مستقبل أفضل.
وشدد عون على أن مواجهة التحديات التي يمر بها لبنان لا تكون إلا بالوحدة الوطنية والتضامن الداخلي، مثنياً على ما ورد في كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر، ولا سيما تمسكه بالجيش واتفاق الطائف والسلم الأهلي واعتبارها خطوطاً حمراء.
وأكد أن الأهداف الرئيسية للمفاوضات تتمثل في تجنيب لبنان ويلات الحرب وحماية سيادته واستقراره ومصالحه الوطنية، مشدداً على انفتاحه على أي خيار أو مسار من شأنه تحقيق هذه الأهداف، لأن الأولوية هي حماية لبنان وشعبه.
وخلال استقباله وفد “لقاء البقاع إنماء وانتماء” في قصر بعبدا، أشار عون إلى العمل على تعزيز الحضور الإنمائي للدولة في البقاع، بما يتناسب مع حاجاته وأهميته، لافتاً إلى مشاريع عدة، أبرزها الأوتوستراد العربي ومجمع الجامعة اللبنانية والعناية بنهر الليطاني ومجرى النهر.
الجيش يرد على “الشائعات”
وفي سياق متصل، رد الجيش اللبناني على ما وصفها بمزاعم منسوبة إلى وسائل إعلام إسرائيلية حول مواقف المؤسسة العسكرية ومهامها في الجنوب، مؤكداً أن عناصر الجيش ملتزمون بتوجيهات القيادة والمهمات الموكلة إليهم، ويؤدون واجباتهم انطلاقاً من مسؤوليتهم الوطنية في الدفاع عن سيادة لبنان وأمنه واستقراره.
وشددت قيادة الجيش على أن المؤسسة العسكرية تحظى بثقة الدول الشقيقة والصديقة التي تواصل دعمها، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان.
وحذرت من خطورة توقيت إطلاق هذه الشائعات والترويج لها، معتبرة أنها تستهدف الجيش وقيادته وتسعى إلى زرع الشك داخل المؤسسة وزعزعة الثقة بينها وبين اللبنانيين.
وأكدت أن حملات التضليل لن تؤثر في تماسك المؤسسة العسكرية أو ثباتها في أداء مهماتها، داعية إلى عدم الانجرار وراء الشائعات والعودة إلى المصادر الرسمية للجيش في كل ما يتعلق بالمؤسسة وقيادتها.
وفي السياق، استقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل نقيب الصحافة عوني الكعكي ووفداً من أعضاء النقابة، حيث جرى البحث في الأوضاع العامة والتطورات، إضافة إلى الجهود التي تبذلها المؤسسة العسكرية في ظل الظروف الحالية، ولا سيما في الجنوب.
توقيف شبكة للتدريب وتنفيذ هجمات في سوريا
وفي ملف أمني، أوقفت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي خمسة أشخاص من الجنسيتين اللبنانية والسورية، للاشتباه في تورطهم في إدخال عناصر ومقاتلين من سوريا عبر الحدود الشمالية إلى لبنان ونقلهم إلى البقاع لإخضاعهم لدورات تدريبية.
وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أن التحقيقات تجري بإشراف النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، الذي أعطى تعليمات بالتوسع في التحقيق لكشف ملابسات القضية، فيما ضُبطت مع الموقوفين أسلحة رشاشة وقناصات ومتفجرات.
ويجري، وفق المعطيات، تعقب عدد من الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في التحقيق، تمهيداً لاستكمال التحقيق الأولي وإحالة الملف إلى القضاء العسكري لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
ونقلت وكالة “فرانس برس” عن مصدر قضائي لبناني أن الموقوفين الخمسة، وبينهم سوريون أحدهم ضابط سابق في الاستخبارات، يُشتبه في تخطيطهم لتنفيذ هجمات ضد القوات الحكومية السورية في منطقة الساحل.
وأوضح المصدر أن الشبكة تضم لبنانيين اثنين وثلاثة سوريين، أحدهم برتبة عقيد سابق في الاستخبارات، وقد ضُبطت بحوزتهم أسلحة رشاشة وقنابل يدوية وبنادق قنص ومتفجرات.
وأضاف أن الشبكة كان يديرها ضابط برتبة لواء في الجيش السوري السابق، يقيم في موسكو ومقرّب من الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، مشيراً إلى أن أفراد الشبكة تلقوا تدريبات عسكرية في شرق لبنان على يد مقاتلين من “حزب الله”.
وبحسب المصدر القضائي، أظهرت المعلومات الأولية أن أفراد الشبكة كانوا يخططون لتنفيذ عمليات ضد القوات الحكومية في منطقة الساحل السوري.