الأحد 9 ربيع الأول 1448 ﻫ - 23 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

إيران تعيد تموضعها العسكري من بغداد إلى "تلة علي الطاهر"

العالم في حالة ترقّب قاتل، بانتظار تداعيات السياسات التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه طهران، عبر «غضبه الاقتصادي»، والتي تزامنت مع ارتفاع منسوب التهديدات الإيرانية وتحركها على خط أذرعها.

وكان العراق الوجهة الأولى لرئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي جال وصال في أرجائه، في محاولة لاستنهاض هذه الساحة التي لطالما شكّلت بوابة المسار التخريبي الإيراني في المنطقة، قبل أن تُقطع أوصاله في سوريا، التي كانت بمثابة الرئة التي يتنفس منها «حزب الله»، أبرز أذرع طهران.

ولذلك، لم يتورع قاليباف عن توجيه رسالة تجاوزت حدود السيادة اللبنانية، بتأكيده تواصله مع «المقاومين» في لبنان، وهي معطيات طرحت العديد من التساؤلات حول الخطوات المستقبلية للنظام الإيراني، في خضم التشابك المعقد بين خرائط النفوذ وتحولات الصراع الإقليمي.

بناءً على هذه التطورات، بدأ الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية، الدكتور مهند العزاوي، حديثه لموقع «صوت بيروت إنترناشونال» بتفكيك التحركات الإيرانية، قائلاً إن إيران استبقت الخطوة الأميركية المتمثلة في فرض حصار اقتصادي متعدد المسارات.

ولفت إلى أن توقيت زيارة قاليباف إلى العراق ليس منفصلاً عن المشهد الإقليمي الأوسع، مضيفاً: «نحن أمام مرحلة تعيد فيها طهران ترتيب أوراقها السياسية والأمنية والاقتصادية في آن واحد، والعراق يمثل بالنسبة إليها مساحة شديدة الأهمية، بحكم موقعه الجغرافي وتشابكه مع منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة».

لذلك، كثّف قاليباف رسائله العسكرية، ولم يكتفِ بالحديث السياسي، إذ التقى مقاتلين في الفصائل العراقية المسلحة، في محاولة لإعطاء الولايات المتحدة انطباعاً بأن شبكة الوكلاء منخرطة في المنظومة العسكرية الإيرانية داخل العراق. بل أعلن، بشكل واضح، استمرار تواصله مع مقاتلين على الخطوط الأمامية في لبنان، وهو تصريح يحمل رسالة تتجاوز لبنان إلى مجمل منظومة النفوذ الإيراني الإقليمية.

ومنطقياً، وفق العزاوي، تميل العقلية الإيرانية إلى استعراض القوة وترويج سردية نصر مزعومة لا تمتّ إلى الواقع السياسي والعسكري بصلة. وفي المقابل، سيؤدي الحصار الاقتصادي إلى إنهاك القدرة الإيرانية وتآكلها، وقد تحلّ المقاربة التفاوضية محل استعراض القوة الذي ينتهجه قادة الحرس الثوري.

إلا أن العزاوي لا يرى أن ذلك يعني، بالضرورة، اتخاذ قرار الحرب؛ فالأدق، بحسب تعبيره، القول إن إيران تعمل على إعادة وصل شبكة الساحات ورفع جاهزيتها، تحسباً لاحتمالات التصعيد، فيما تحمل تصريحات قاليباف وزيارته الأخيرة للعراق دلالات واضحة على ذلك.

وأضاف أن الضغط الاقتصادي، عندما يصل إلى مستوى استراتيجي، يمكن أن ينتج مسارين متناقضين: إما دفع الدولة إلى التفاوض، وإما دفعها إلى التصعيد، باعتباره وسيلة لتغيير معادلة الضغط.

أما واشنطن، فلا يعتقد العزاوي أن تحركها العسكري يمكن تفسيره بعامل واحد، إذ إن هناك استراتيجية ضغط مركبة تشمل العقوبات، والخنق الاقتصادي، والضغط السياسي، والإجراءات البحرية، ورفع مستوى الجاهزية العسكرية. وهنا، يجب التمييز بين التحضير للحرب واستخدام هذا التحضير أداةً للردع.

وفي ما يتعلق بالتزامن بين زيارة قاليباف إلى العراق والتصعيد في خطاب «حزب الله»، من خلال كلام أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، إضافة إلى التسريبات التي تحدثت عن رفض الحزب تسليم «تلة علي الطاهر» إلى الجيش اللبناني، وإمكان تصعيد التحركات الإيرانية عسكرياً، رأى العزاوي أن هناك تزامناً واضحاً، لكن من دون الجزم بوجود قرار عملياتي إيراني موحد.

وأوضح أن ما يحدث يمكن قراءته باعتباره رفعاً للسقف السياسي والعسكري في أكثر من ساحة في الوقت نفسه؛ فقاليباف يرسل رسائله من بغداد، و«حزب الله» يرفع مستوى خطابه في لبنان، بينما تواصل إسرائيل ضغطها العسكري في الجنوب.

واعتبر العزاوي أن «تلة علي الطاهر» أصبحت نقطة تقاطع عسكرية وسياسية، إذ تشير التقارير إلى استمرار محاولات إسرائيل إحكام السيطرة عليها، في حين يتمسك «حزب الله» بموقفه منها.

كما أشارت التسريبات إلى أن «تلة علي الطاهر» تُعد قاعدة استراتيجية تحت الأرض، تشبه أنفاق المترو، فيما تفيد التقارير بأن هندستها كورية شمالية، وأن إيران أنفقت عليها مبالغ طائلة، إضافة إلى وجود قيادات من الحرس الثوري فيها، بينما تحاول إسرائيل تحقيق نصر تكتيكي هناك. وهنا، تبرز وظيفة ما يمكن تسميته «خط الأذرع»، أو الساحات المرتبطة بإيران.

وتعليقاً على الطرح الذي يربط «تلة علي الطاهر» بالانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وعلى التساؤلات بشأن ما إذا كان سقوط التلة سيوقف المسار العسكري الإسرائيلي، وما إذا كانت طهران ستتحرك لمساندة الحزب، أو سيلجأ الأخير إلى استخدام خطوطه الخلفية في البقاع، التي تختزن صواريخ بعيدة المدى، بدعم أو بأمر إيراني؛ رأى العزاوي أن التلة مهمة، لأنها تمتلك قيمة إشرافية وموقعية، لكن السيطرة عليها لا تعني إسقاط منظومة «حزب الله».

وأشار إلى أن التقارير تتحدث عن ارتفاع التلة وإشرافها على مناطق واسعة في محيط النبطية وإقليم التفاح، ولذلك فإن السيطرة عليها تمنح إسرائيل أفضلية ميدانية مهمة، لكنها لا تحسم المعركة وحدها.

أما مسألة الضوء الأخضر الأميركي، فمن الصعب إثبات وجود قرار أميركي معلن يخص التلة تحديداً. لكن في العلاقات الأميركية–الإسرائيلية، هناك دائماً مساحة من التنسيق السياسي والعسكري تجعل العمليات الإسرائيلية مرتبطة بالسقف الذي تستطيع واشنطن تحمله سياسياً. لذلك، يفضل العزاوي استخدام تعبير «هامش حركة أميركي» بدلاً من «ضوء أخضر أميركي».

أما سياسياً، فمن الطبيعي أن يحاول كل طرف توظيف التطورات لمصلحته؛ فنتنياهو يستطيع تقديم السيطرة الميدانية باعتبارها إنجازاً أمنياً، بينما يستطيع الطرف الآخر توظيف الضغط ضمن سياسة الردع والضغط الإقليمي.