الجمعة 22 ربيع الأول 1448 ﻫ - 4 سبتمبر 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

إفراج مفاجئ عن خمسة أسرى بعد لقاء عيسى ونتنياهو.. ماذا في المقابل؟

«وعدتُ عائلاتهم بأننا لن نتوقف أبدًا عن العمل لإعادتهم إلى الوطن»… بهذه العبارة اختصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نظرته إلى ملف المفقودين ورفاتهم. وكان نتنياهو قد أطلق هذا الموقف الشهر الفائت، عقب الإعلان عن استعادة رفات الجندي يهودا كاتس، آخر مفقودي معركة السلطان يعقوب في لبنان عام 1982.

ويُعدّ هذا الملف من أبرز الملفات التي تتصدر الأجندة الإسرائيلية، شأنه شأن ملف الطيار رون أراد، الذي بقي حاضرًا في الواجهة على مدى عقود، ولا يزال.

غالبًا ما تتردد في الكواليس أخبار عن مفاوضات تهدف إلى استعادة جميع المفقودين الإسرائيليين، وهي ليست المرة الأولى التي تُجرى فيها مثل هذه المفاوضات على الساحة اللبنانية. غير أن التطور البارز اليوم تمثّل في إعلان إسرائيل نيتها الإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين.

وجاء هذا الإعلان عقب اللقاء الذي جمع نتنياهو بكل من السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، والسفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى؛ ما يطرح تساؤلًا عمّا إذا كان إطلاق سراح الأسرى إحدى ثمار هذا الاجتماع.

ورغم إضفاء الطابع الإنساني على الخطوة، فإن المفهوم الإسرائيلي لا يعترف بصفقات مجانية أو عمليات تبادل بلا مقابل. وهذا ما يثير علامات استفهام كثيرة حول الإعلان، خصوصًا أن هذا الملف سبق أن سُرّب ونوقش بوضوح خلال الجولة السابعة من المفاوضات الإسرائيلية–اللبنانية في روما.

وخلال تلك الجولة، طُرح الطلب الإسرائيلي الرسمي المتعلق باستعادة رفات يهود لبنانيين توفوا أو خُطفوا خلال الحرب، في مقابل الإفراج عن الأسرى، وهو ما بدأت خيوطه تتكشف اليوم.

وهنا، لا بد من العودة إلى عمليات التبادل السابقة بين لبنان وإسرائيل، التي لم تكن ظروفها وتفاصيلها واضحة بالكامل. فبعضها جرى عبر وسطاء وقنوات خلفية، ولا سيما صفقة عام 2004، التي كانت من أكبر عمليات التبادل، وجمعت في سلة واحدة الأسرى والموقوفين والجثامين والمفقودين.

لكن لا يمكن إسقاط ظروف تلك المرحلة على واقع اليوم. ففي عام 2004، كان «حزب الله» يمتلك أوراقًا تفاوضية مختلفة تمامًا، وكان الطرف المباشر في الصفقة. أما اليوم، فيتحرك هذا المسار عبر الدولة اللبنانية، في ظل وساطة أميركية وواقع سياسي وعسكري مختلف، لم تعد فيه للحزب كلمة الفصل.

 أوراق خسرها «الحزب»

إن إعادة فتح ملف الأسرى اللبنانيين ورفات اليهود الذين لم ترتبط أسماؤهم بمعارك أو كمائن، تثير تساؤلًا لافتًا في ضوء وجود مدافن تاريخية للطائفة الموسوية في لبنان، تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975.

وتضم هذه المدافن، الواقعة على طريق الشام، أضرحة لأفراد من الجالية اليهودية اللبنانية، يحمل بعضها رموز نجمة داود. ومع اندلاع الحرب، تعرضت المدافن للدمار والتخريب نتيجة الاشتباكات التي طالت المنطقة ومحيطها، ما أدى إلى اندثار معالم عدد من القبور وبقاء رفات في ظروف معقدة.

وفي هذا السياق، نقل موقع «صوت بيروت إنترناشونال» عن شخصية مخضرمة أن الأعراف والتقاليد تقضي بأنه «لا قيامة إلا على أرض إسرائيل»، ولا مراسم دفن مقبولة خارج حدودها، باعتبارها وحدها «أرض الميعاد» والأرض المقدسة التي تُجرى فيها هذه المراسم. وهذا البعد العقائدي يفسر، بحسب المصدر، الإصرار الشديد على استعادة الرفات وتحديد مواقعها بدقة.

ولعل خلفية هذه الرفات والذاكرة المرتبطة بها تعيدان إلى الأذهان قصصًا من يوميات الحرب اللبنانية. ففي سبعينيات القرن الماضي، وفق ما رواه المصدر، كان إيزاك ساسون أحد كبار موظفي الإدارة العامة في مؤسسة «خليل فتال وأولاده». وكان لبنانيًّا من أبناء الطائفة الموسوية، يسكن في منطقة وادي أبو جميل.

عُرف ساسون بعلاقاته الطيبة والوثيقة مع الموظفين، خصوصًا العمال في المستودعات وفريق التنظيف. وكان يناقش بحماسة وعصبية لا تتركان مجالًا للجدال عندما يكون محور الحديث لبنان ومقارنته ببقية الدول المحيطة ببلده الصغير. كما كان أعزب، ويوزع راتبه شهريًّا على عمال المؤسسة، بعد اقتطاع ما يكفي حاجاته البسيطة.

وفي أحد الأيام، خلال احتدام المعارك، تأخر إيزاك عن موعد حضوره المعتاد، على غير عادته المعروفة بالدقة والالتزام بالنظام. وبدأ الجميع يسألون عن المدير الذي غاب ولم يعد. بحثت الإدارة عنه في مختلف أنحاء الجمهورية اللبنانية، إلا أن إيزاك اختفى… وبعد خمسين عامًا، لا يزال من عرفوه ينتظرون، ليتبين لاحقًا أنه أصبح في عداد الموتى.

ومع انتقال القسم الأكبر من أقارب هؤلاء المتوفين والمدفونين وعائلاتهم إلى خارج لبنان، وبينهم من يقيم في إسرائيل، يبرز السؤال: هل يمكن أن تكون الرفات الموجودة في هذه المدافن التاريخية جزءًا من المقابل أو التسوية التي تطلبها إسرائيل، وأن تكون عملية الإفراج عن الأسرى الخمسة بدايتها؟

يبقى هذا الاحتمال في إطار التساؤلات، فالكواليس وحدها تختزن الأسرار، فيما تبقى المعلومات المتداولة في دائرة التكهنات والتسريبات الشحيحة. وقد تتكشف معطيات جديدة خلال الأيام المقبلة، ولا سيما في ظل إرجاء عملية تسليم الأسرى إلى ظهر اليوم.

فهل يتضمن مسار التبادل رابطًا بين ملف الرفات والعملية الجارية؟ أم أن الحديث عن الرفات يتعلق بملفات أخرى، مرتبطة بمن تبقى من مفقودي الجيش الإسرائيلي، وفي مقدمهم رون أراد؟ وهل نشهد بداية إقفال هذا الملف؟