الخميس 12 محرم 1446 ﻫ - 18 يوليو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الاتحاد الأوروبي بحلة شبه متطرفة.. هل تنسحب على الاستحقاق الفرنسي

لم تشكل نتائج انتخابات الاتحاد الأوروبي مفاجأة للمراقبين ، فهي بدأت ملامحها تظهر على الساحة منذ سنوات ، وقد تكون احداث ٧ تشرين الاول/ اوكتوبر ٢٠٢٣ احد الاسباب التي شكلت دفعا باتجاه تنامي الهوية المتطرفة وزيادة نسبتها في معظم بلدان الاتحاد، التي تعتبر ألمانيا وفرنسا رأس حربتهما، وهو ما ظهر من خلال تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي عبر عن طموحه بشكل علني الخروج من تحت المظلة الاميركية، في محاولة لإظهار استقلالية قرار الاتحاد عن الولايات المتحدة وحتى ” الناتو” نفسه، مستندا إلى قدرات بلاده العسكرية والنووية التي بامكانها الاستنفار زودا للدفاع عن مصالح الاتحاد.

فرنسا التي انتشرت على المسرح الأفريقي في استثمارات كبيرة خرجت منها بهزيمة اقتصادية مدوية، أضيفت إلى الأزمة الاقتصادية التي نتجت عن الحرب الروسية- الاوكرانية، ودفعت بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الانخراط فيها بشكل مباشر، من خلال تزويد أوكرانيا بالأسلحة ووصل به الأمر مؤخرا خلال انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وحرب غزة إلى الإيحاء بالتدخل عسكريا لمساندة الرئيس فلوديمير زيلنسكي، في محاولة لإظهار فرنسا كقائد ضامن لهذا الاتحاد.

ما افرزته نتائج الاتحاد الأوروبي أرخى بظلاله على فرنسا، وهو ما دفع بماكرون إلى الإعلان عن حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة خلال أسبوعين وهو امر لا يسمح بحصول اي تفاهمات او توافقات بين الأطراف التي باتت موزعة بين يسار متطرف، اشتراكي ويمين متطرف بشكل أساسي.

وفرنسا التي تعتبر البلد الأكثر تأثرا بهذه النتائج يدفعنا إلى التساؤل ما هي هذه التأثيرات على الداخل الفرنسي وعلى السياسة الخارجية الفرنسية التي لها مصالح اخرى في الشرق الأوسط حيث تعمل على تعويض خسائرها الاقتصادية من خلال تأمين استثمارات اكبر ان في العراق او لبنان.

الخبير في الشؤون الأوروبية تمام نور الدين اعتبر في حديث لموقع ” صوت بيروت انترناشونال” اعتبر ان ما جرى على صعيد انتخابات الاتحاد الأوروبي لناحية تنامي اليمين المتطرف ليس بعيدا عما يجري في انتخابات الرئاسة الاميركية ، فالرئيس الاميركي دونالد ترامب يمكن وضع في إطار اليمين المتطرف وان لبس عباءة الحزب الجمهوري.

يعود نور الدين بذاكرته الى سنوات مضت حين كانت المنافسة قائمة بين الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك والمرشح اليميني المتطرف جان ماري لوبن ، والتي لا يمكن اعتبارها منافسة شرسة يومذاك ، نتيجة الحضور الخجول المؤيد للأخير غير المتقبل لهذا النهج وهذا ما كان يدفع بعض الناخبين إلى عدم الإفصاح عن تأييدهم له، وهنا لابد من الإشارة إلى رفض الرئيس شيراك إلى إجراء مناظرة بينه وبين لوبن.

اما عن الاسباب التي سمحت بصعود اليمين المتطرف خلال السنوات العشر الماضية ، فهو مرتبط بعدة اسباب لا يمكن تحميلها للمهاجرين بل للوضع الاقتصادي الداخلي الذي قلبته العولمة رأسا على عقب وأضعفته نتيجة انتقال المؤسسات الصناعية من فرنسا إلى دول يمكن الاستثمار فيها بكلفة منخفضة، وهذا ما أرخى بثقله على طبقة العمال بشكل رئيسي وتوجههم إلى خيارات اخرى غير تقليدية باتجاه اليمين المتطرف.

ويشرح نور الدين هذا التغيير مستعينا بتجربة الدول الأوروبية إبان الحرب العالمية الثانية او خلال فترة الخمسينيات والستينات حيث كانت الخلافات تحصل بين الدول وعلى سبيل الميثال بين بريطانيا وفرنسا وبين الأخيرة وألمانيا وإسبانيا والبرتغال . اليوم انتقلت هذه الخلافات إلى الساحة الداخلية لهذه الدول ضمن الشعب الواحد، ولا يمكن ربطها بالمهاجرين ومثال على ذالك لتأكيد ان الأمور ترتبط بعدة عوامل، تجربة ألمانيا مع ادولف هتلر والتطرف الصارخ في وقت لم يكن عامل المهاجرين مسيطرا على الساحة آنذاك.

وبسؤاله نور الدين عن الدور الاميركي في ما آلت اليه الأمور في الاتحاد وحتى على الداخل الفرنسي، يرى ان العلاقة بين الطبقة السياسية الفرنسية ليست ببعيدة عن الفلك الاميركي حيث ان العديد من الرؤساء الفرنسيين السابقين هم ” محسوبون” على ” الناتو”.

وبالعودة إلى الشأن الفرنسي والانتخابات المقرر اجراؤها في أواخر الشهر الجاري، فستكون محطة مفصلية تتشابك فيها التحالفات وقد تعود على ماكرون بفائدة كبيرة في حال اتخذ قراره بالاستقالة بعد صدور النتائج وستكون لها انعكاسات كبيرة مهما كانت نتائجها، حيث ستكون المواجهة بين اليسار المتطرف واليمين المتطرف الذي استطاع احتواء يمين الوسط وستكون المواجهة محتدمة ستدفع بعض المجموعات اليسارية لإعطاء أصواتها لصالح ماكرون وهذا الأمر سيخرج اليساريون من الندوة البرلمانية ومن القرار، مع الإشارة إلى ان اليمين المتطرف الذي تمثله لوبن يتجه إلى التربع على مقعد اليمن الوسط بعد ظهور اريك زيمور ولو بنسبة ضئيلة.

في الختام يبدو ان فرنسا ستعيش أزمة حكم لم تعهدها لناحية الازدواجية التي ستفرزها الانتخابات وسيكون هناك نوع من عدم انسجام او توافق بين رئاسة الجمهورية من جهة ان عاد ماكرون وبين الحكومة التي قد تتعارض مع رؤية الأخير ولن يمكن ان تستعاد تجربة الرئيس الراحل فرانسوا ميتران ورئيس الحكومة الراحل جاك شيراك حيث كانت المساكنة بينهما لناحية السياسة الخارجية تجاه ” الناتو” والعديد من القضايا تتطابق، ولم تنعكس على الداخل. وتكررت مع الرئيس شيراك ورئيس الحكومة ليونيل جوسبان، لكن تجربة فرنسا اليوم مع التغييرات التي قلبت بعض موازين القوى قد تنعكس أزمة حكم يدفع ثمنها الشعب الفرنسي.