الثلاثاء 20 صفر 1448 ﻫ - 4 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الهروب الكبير... مقاتلو الحزب يخلعون السلاح؟

تشهد أروقة حزب الله تحولات غير مسبوقة تُسلط الضوء على عمق الأزمة النفسية والاقتصادية التي تضرب صفوف مقاتليه، إذ وفقاً للمعلومات التي حصلت عليها “صوت بيروت إنترناشونال”، تفيد بأن تصاعداً في تقديم طلبات الإعفاء من المسؤوليات والمهام الميدانية. ولم تعد هذه الظاهرة تقتصر على حالات فردية معزولة، بل بدأت تأخذ طابعاً متتالياً وملموساً داخل البنية العسكرية للحزب، مما يشير إلى مرحلة جديدة من التحديات التنظيمية والهيكلية.

يتزامن هذا التصاعد في طلبات الإعفاء مع متغيرات ميدانية وجيوسياسية بارزة، كان في مقدمتها انسحاب مقاتلي “الحشد الشعبي” من الأراضي اللبنانية وعودتهم إلى العراق. هذا الانسحاب أدّى إلى إحداث فراغ ميداني ونفسي مباشر لدى الكوادر المحلية، حيث وُجد المقاتلون أنفسهم أمام مواجهة طويلة الأمد وبرقعة مكشوفة تفتقر إلى الزخم الإسنادي الخارجي الذي كان يشكل عاملاً معنوياً ولوجستياً مهماً في الفترات السابقة.

وفي ظاهرة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ الحزب، هناك حالة متزايدة من التململ والإرهاق جراء النزاعات المسلحة المستمرة. والأبرز في هذا التحول هو تراجع التأثير المباشر لـ “التكليف الشرعي”، وهو المفهوم العقائدي والروحي الذي طالما شكّل الركيزة الأساسية للالتزام والانضباط الميداني.

إن انخفاض قدرة هذا المفهوم على إقناع المقاتلين يعكس تحولاً مفصلياً في البنية الفكرية، حيث بدأت الحسابات الواقعية والمتطلبات المادية المعقدة تتفوق على الالتزام العقائدي المطلق الذي أبقاهم في ساحات القتال لسنوات طوال دون أفق زمني واضح.

ولم تعد العوامل العقائدية والميدانية وحدها المحرك لهذه الظاهرة، بل تشكل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية الضغوطات الأكبر. فالمقاتلون ليسوا معزولين عن بيئتهم الاجتماعية، فهم أرباب أسر يتحملون مسؤوليات يومية تجاه عائلاتهم في ظل وضع اقتصادي هش ومعيشة يائسة يمر بها لبنان. وقد أدى هذا الضغط المالي المتزايد، إلى جانب الشعور بالاحتراق النفسي، إلى تغيير جذري في الأولويات الفردية والعائلية، حيث بات خيار الهجرة والبحث عن مستقبل أفضل خارج البلاد هو المنفذ الأكثر جاذبية للعديد من هؤلاء العناصر.

يبحث هؤلاء المقاتلون اليوم عن خلاص من واقع النزاعات التي لا تنتهي، راغبين في تأسيس حياة مستقرة بعيداً عن الشعارات والمفاهيم التي جعلت منهم “مقاتلين إلى أجل غير مسمى”. إن تفضيل الهجرة والسعي لعيش حياة طبيعية يعكس رغبة عارمة في الخروج من دائرة الاستنزاف الدائم، وهو ما يضع الأجهزة التنظيمية والاجتماعية داخل الحزب أمام مأزق غير مسبوق يتطلب إعادة نظر شاملة في كيفية التعامل مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي للكوادر البشرية، في وقت تزداد فيه الضغوط الخارجية والميدانية تعقيداً.

تعكس هذه التطورات حالة عميقة من مراجعة الذات داخل الحزب، حيث يلتقي التعب الميداني بانسداد الأفق الاقتصادي لتشكيل بيئة طاردة دفعت بالعشرات إلى البحث عن مسارات بديلة تضمن استقرار عائلاتهم ومستقبل أبنائهم بعيداً عن جحيم الحروب المفتوحة.