الأحد 4 شوال 1445 ﻫ - 14 أبريل 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

هل في ما يجري في أوروبا إرهاصات ولادة نظام عالمي جديد؟

يبدو ان الهجوم الروسي على اوكرانيا سينشر دخان صواريخه وحرائقه على مساحة جغرافية كبيرة وتتخطى جمهوريات الاتحاد السوفياتي التي استقلت جغرافيا في حين استمر البعض منها تحت رعاية روسيا الجمهورية الام لكن لاوكرانيا وضعاَ مختلفاَ وهي التي تمردت على “الدب الروسي” واعتبرت نفسها صاحبة القرار في تقرير مستقبلها فقرر فلاديمير بوتين اعادتها الى “بيت الطاعة”.

وللاضاءة على اهمية هذه الاحداث ومجرياتها ونتائجها كان “لصوت بيروت انترناشونال” حديثاَ خاصأ مع العميد الركن المتقاعد يعرب صخر الذي اعتبر ان الحدث الروسي الاوكراني أنظار العالم وصار النزاع المستجد حديث الساعة، لما له من مخاطر مرتقبة على السلم والأمن العالمي، ولما قد ينتج عنه من تشظيات قد تطال بتأثيراتها كل أوروبا لا بل كل العالم، في حال تطور النزاع وطال ما قد يجر معه الدول إلى تكتلات و اصطفافات، وبالتالي تغير حاد في الخرائط الجيوسياسية وتقلب مهم في بقع النفوذ والسيطرة.

كل تلك العوامل مجتمعة تهيء أمامنا مستجدا” طارئا”، وهو حقيقة أننا بصدد تقولب نظام عالمي جديد!!!

أولاً: تطور النظم السياسية العالمية:
قبل الخوض في ذلك، لا بد لنا من استعراض مفاصل أساسية في التاريخ المعاصر والحديث شكلت نظما” عالمية استمر بعضها فرون وبعضها عقود من الزمن.

شهدت معاهدة وستفاليا ١٦٤٨ التي أتت بعد حروب الثلاثين عام النواة الأولى لنشوء مفهوم الدولة والكيانية الأساسية لتشكل الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، ذات الأرض والشعب والسلطة والسيادة، بعد أن كان مفهوم الإمبراطورية والقومية المؤدي للتوسع والاستحواذ والسيطرة طاغيا” على التشكلات الجغرافية والديموغرافية، تحميها وتذود عنها نزعة القوة والقدرة والامكانيات.

استمر الحال هذا حتى ١٨١٥ حيث معاهدة فيينا التي أتت بعد الحروب النابوليونية التي هددت مفهوم الدولة، فنتج عنها عودة الاعتبار لطغيان الإمبراطوريات والقيصريات والسلطنات طوال القرن١٩، التي اخذت تتوسع عن طريق الاستعمار في كل بقاع الأرض مستفيدة” من عصر النهضة الاوروبية الذي سبقها لتزيد في التوسع والاستعمار، وابرزهم البريطانيون (الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس) الاسبان الهولنديون البرتغاليون، يسابقون ألمانيا مسيطرين على البحار ومعظم المضائق والممرات البحرية، ما حفز ألمانيا للمطالبة بدور توسعي أسوة بغيرها، ما ولد تنافسا” أدى لاندلاع الحرب العالمية الأولى، وبالتالي في تغير طبيعة النظام العالمي بعد فيينا ١٨١٥.

بنهاية WW1 ظهر نظام دولي جديد بتضخم دول وانحسار أخرى واندثار غيرها، نظمت حركته ما سمي عصبة الأمم ١٩٢٢.

ذل معاهدة فرساي ١٩١٩ على ألمانيا إثر هزيمتها في الحرب، دعاها وحفزها لإعادة رد الاعتبار وتكوين نفسها بأقوى من قبل، فنشأت على هذا المبدأ الهتلرية والنازية مزقت معاهدة فرساي وتنكرت لمبادئ عصبة الأمم الركيكة أصلاً واخذت سريعاً تستعيد ما سلب منها في تشيكوسلوفاكيا (إقليم السوديت) ثم النمسا لتوسيع مجالها الحيوي Vital Zone، ولما تخطت المسموح في بولندا اندلعت WW2 بانتهائها بهزيمة اليابان وألمانيا، فرض نفسه نظام عالمي جديد آخر قوامه ثنائية قطبية ( USA – USSR) ونهاية الدور الأوروبي على الساحة العالمية بفعل فاتورة حربين عالميتين باهظة كلفتها وأضعفتها وانصرفت تلملم جراحها تاركة” الساحة لناشئين جديدين هما أميركا والإتحاد السوفيتي.

المحطة الفاصلة هنا هي نشوء الأمم المتحدة على أنقاض سالفتها عصبة الأمم، وقامت على قانون دولي منصوص ومكتوب لأول مرة قوامه ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات الدولية، تنظم عمل العالم في الحرب والسلم والتنمية، والأهم ما فيها هو تكريس حقوق الإنسان وحق الدول في تقرير مصائرها.

وبناء، عليه أصبحنا أمام نظام عالمي جديد بدأ ١٩٤٥ واستمر حتى أيامنا هذه، رغم ما هددت بنيانه الحرب الباردة وبعض النزاعات والحروب وانهيارUSSR، يجدر بنا تناولها باقتضاب لأنها شكلت محطات مهمة غيرت في ملامح هذا النظام العالمي، ودللت في متغيرات محددة في القرن 20 إلى إشارات أو صيرورات لتغير مستقبلي وشيك بدايات القرن 21.

حيث أن النظام العالمي قد رسى على الثنائية القطبية، بدأ الصراع على القيادة العالمية بين القطبين. بدأت بخطة الاحتواء الأميركية Containment للإتحاد السوفيتي( عرابها ترومن ١٩٤٨ ومستشاره جورج كينان) ثم سياسة الرد الشامل في الخمسينات (فوستر دالاس)على أي تهديد شيوعي للراسمالية. المحطة الثانية في ١٩٦٢ عندما نصب السوفييت صواريخ باليستية في كوبا ما شكل تهديدا” مهما” لأميركا في حديقتها الخلفية، وبلغ التوتر أقصى مداه وكاد الإصبع على الزناد النووي لانطلاق حرب عالمية ثالثة، لولا حكمة الرئيسين خروتشوف وكيندي وانتصرت إدارة الأزمات على الاستراتيجا، ونزع الفتيل عبر نزع صواريخ برشينج الأميركية من تركيا وإزالة الصواريخ السوفيتية من كوبا.

انهار الإتحاد السوفياتي ١٩٩٠ وانسلخت عنه ١٤ دولة جديدة، كما دب النزاع في يوغوسلافيا وتشظت إلى ٧ دول. وبتنا أمام أحادية قطبية اميركية تستفرد لقيادة العالم، والتي استغلت ظرفها لتضرب وتهيمن وتفرض نفسها مستندة” إلى قوة عسكرية هائلة وقدرة اقتصادية ومالية وتقنية غير مسبوقة، وبتنا أمام عالم متأمرك.
لم يطل الامر، إذ بفعل العولمة أواخر عقدي القرن 20 وبدايات هذا القرن والتقدم التكنولوجي ووسائط ووسائل الإتصال، صار العالم قرية كونية كسرت الحدود بين القارات وقاربت بين الشعوب والأمم، وأصبح الاقتصاد والتجارة عامل القوة الذي تقدم على عامل القوة العسكرية.

وهذا ما قامت عليه الصين والإتحاد الأوروبي واليابان وألمانيا وغيرها Super powes، وبدأ الدب الروسي ينهض رويدا” من كبوته بموازاة التنين الصيني. هنا تحول العالم إلى التعددية القطبية، وبالتالي نظام عالمي متعدد القيادة. وشهد العقد الثاني لهذا القرن عودة النفوذ الروسي وعزيمة روسية على فرض نفسها شريك عالمي أساسي.

نقف هنا أمام هذا الاستعراض التاريخي للعصر الحديث، بعد أن بينا كيف تطور وتغير وجه النظام العالمي، لننتقل بعدها لنلمس إمكانية تحول جديد. فعودا” إلى بدء، تأسيساً” على ما يحدث بين أوكرانيا وروسيا وانسياق العالم نحو اصطفافات وتكتلات وتشنجات… هل نحن بصدد تشكل ملامح نظام دولي جديد؟ وهل بتلك الأحداث والجموح الروسي استجرار ذات أحداث ما قبل الحرب العالمية الثانية وذات النزعة الألمانية حينها؟ وحيالها كيف قد يكون التمظهر والتأثير دوليا” أوراسيا” واقليميا في الشرق الأوسط ومنطقتنا؟

ثانيا”؛ انعكاس الحدث الروسي الأوكراني دوليا”:

لقد عودنا التاريخ بين زمن وآخر على بروز شخصيات وقادة ذوي نزعات تحكم بطبيعة توجهاتها طبيعة العالم وتؤثر في مساراته.
روسيا بوتين كخطوة أولى في طريق عودتها الدولية وتأمين رقعتها الجغرافية والتحكم في الجغرافيا السياسية في كل اوراسيا ( أوروبا – آسيا) أدركت أن فرض النفوذ في الدول المنشقة عن الإتحاد السوفياتي جنوبا” (جورجيا، الشيشان، كازاخستان..) هو الخطوة الأولى في سبيل النفوذ في آسيا الوسطى قلب اوراسيا والتي قال عنها بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد كارتر أنها قلب العالم، ويستطيع منها العبور إلى الشرق الأوسط والمياه الدافئة، وهكذا يكون قد أمن جنوبه (الشمال والشرق الروسي مؤمن)، ويبقى الغرب الروسي النافذة المباشرة إلى أوروبا. نلمس في تتبع ذلك استحضارا” بوتينيا” عنيدا” للأمجاد القيصرية والأحلام الإمبراطورية والقوة السوفييتية السابقة.. ويحاول قرن الحلم بالواقع.

ما ساعد في الصعود الروسي، هو التراجع الجيواستراتيجي الأميركي بعد حقبة بوش، وسياسة الدبلوماسية الناعمة التي اتبعها أوباما خلال ولايتين، عبر التراجع في الشرق الأوسط وتركيز الإهتمام الأميركي على احتواء الصين عبر استراتيجية آسيا الياسيفيك. إن اختراع النفط الصخري) ٣٦$ كلفة البرميل( والمخزون الإستراتيجي الضخم للطاقة والتحكم بالممرات البحرية وانابيب الطاقة وأسعارها..

أتاح لأميركا الاكتفاء الذاتي بالطاقة للخمسين سنة القادمة. والعقيدة الأميركية في الشرق الأوسط التي كانت تقوم على ٣: امن الطاقة، امن الخليج، أمن إسرائيل، تغيرت ولم يتبق منها سوى أمن إسرائيل نظرا” لما أسلفنا، وحتى أمن إسرائيل بات متحققا” تقريبا” لأن أميركا ساهمت في تحييد القوى العربية (العراق، مصر) وارست هدنة سورية إسرائيلية غير معلنة طويلة الأمد (منذ١٩٧٤)، والأهم أنها أسست ليروز إيران لاشغال العرب بها واشغالها بهم عن إسرائيل، وهو ما نراه بالممارسة اليومية، وتحيدت إسرائيل وأمنت. وبهذا لم يعد الشرق الأوسط ساحة مستفردة لأمريكا ومد الروسي يده في سوريا وركز قواعده وبات شريكا” جيوسياسيا”.

اذا” بقيت أمام روسيا البوابة الغربية وتريد تأمين مجالها الحيوي وضمان حديقتها الخلفية/ أوكرانيا لتستطيع منها فرض النفوذ في أوروبا، وبالتالي إعادة سابق الأمجاد لتكون لاعبا” ومقررا” عالميا” اساسيا”. وهنا لا حلول وسط عند بوتين، فإما صرف النظر وتأجيل الأمر والاكتفاء بورقة الطاقة التي يمسك بها اوروبا، أو وضع اليد مباشرة” على أوكرانيا بعد أن ضمن وسيطر على جارتها بيلاروسيا سابقا” بهدوء، واختار الطريق الثاني بعناد وتصميم، ورأينا كيف بدأ الحدث.

تذكرنا هذه المشهدية بأحداث ١٩٣٨ لما أخذ هتلر يبتز أوروبا مستغلا” تراخي تشامبرلاين UK لأخذ إقليم السوديت من تشيكوسلوفاكيا ثم النمسا لتوسيع مجاله الحيوي، ولما مد يده على بولندا أعلنت UK الحرب وتبعها الحلفاء وبدات الحرب حيث أتى تشرشل بعد تشامبرلاين. وبوتين الآن يتبع نفس الأسلوب مستغلا” تراخي الإدارة الأميركية الحالية قائد الناتو، وكون أوروبا تحت رحمة غاز روسيا وأنها عملاق اقتصادي لكنها قزم عسكري وسياسي.

بالنظر إلى الخريطة الجغرافية نستطيع بسهولة تلمس الإسقاطات الجيوبوليتيكية. فحيازة أوكرانيا (٦٠٠ ألف كلم٢) تؤمن لروسيا (١٧ مليون كلم٢) أقصى مدى في التمدد الجغرافي والتأثير السياسي في كل أوروبا لأنها النافذة التي يطل منها الروسي على كل النشاط الغربي وفرض نفسه كمقرر سياسي مؤثر فيه، وبالتالي منع الغرب من تهديد عمقه ومجاله الحيوي. وبالعكس حرمانه منها وتمكن الغرب من ضم أوكرانيا للإتحاد الأوروبي وادخالها في NATO بقيادة اميركا، تصبح موسكو تقريبا” على مرمى حجر.

وعلى أساس هذه الحيثية لوحدها نفهم الجموح الروسي وكذلك نفهم العناد الأوروبي والأمريكي. لذلك سمعنا بوتين /إذا لم يستطع تحقيق هدفه العسكري المباشر/ يطالب باوكرانيا حيادية كسويسرا تنظم معها معاهدات خاصة محددة تضمن ألا تكون ساحة نفوذ غربي. ومن ذلك نفهم أن بوتين ماض للنهاية ولن يتراجع إلا لقاء ثمن يرضيه كما حدد أعلاه، وإلا قد تتطور الأمور وتسوق الأحداث بعضها في تصاعدية قد ترقى إلى الرعب النووي.

الاندفاع الروسي يغذيه قناعة أن لا غنى لأوروبا عن غازه الذي يؤمن ٥٠ % من استهلاكها له إلى جانب مصادر حيوية أخرى كالمعادن والقمح. من جهة أخرى يراهن الروس على عدم رغبة العالم في خوض النزاعات التي ستكون نتائجها مدمرة في ضوء التقدم التقني الهائل في الآلة العسكرية، متعلما” من ويلات حربين عالميتين.

امام الاندفاعة الروسية في أوكرانيا، كان الظن أنها ستكون كنزهة جزيرة القرم. فوجيء العالم بيقظة أوروبا وتكتلها حول اوكرانيا، كما فوجيء بالصمود الاوكراني.

وهنا بدا أن الازمة ستطول. كما بدا ان هناك تصميما” غربيا” بوقف هذه الاندفاعة البوتينية عند حدود أوكرانيا، تماما” كما تعامل الغرب مع هتلر عند حدود بولندا ١٩٣٩ التي بدأت عندها ww2. لماذا؟ لأن عقيدة الأمن الجماعي عند أوروبا التي أصبحت أساس تكوين الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو بعد ويلات الحرب، تتقدم على ما عداها في الإهتمام الأوروبي عندما يتهددها الخطر ( طبقته عند انفراط عقد يوغوسلافياى١٩٩١ ويظهر أنها تتجه لاعتماده اليوم.).

لذلك نرى كيف أن الحدث الروسي الأوكراني قد حفز سريعا” سوق السلاح الذي طغى على الحركة في أوروبا المسالمة، وألمانيا عماد الإتحاد الأوروبي في سابقة تاريخية منذ ١٩٤٥ خصصت اليوم ١٠٠ مليار يورو لبناء جيش قوي ليحميها، وهذه محطة لافتة ومهمة قد تؤسس ربما لرايخ رابع إذا انساقت الأمور نحو السابية المتصاعدة.
اذا” العالم أمام مفترق طريقين: اما الذهاب إلى ذات مشهديات الحروب العالمية السابقة، مع إضافة الرعب النووي حيث لا رابح فيها بل الجميع خسروني…

واما تكرار فن إدارة الأزمات الذي أتقنه كل من كينيدي وخوتشوف ١٩٦٢ وجنبا العالم حرب عالمية بصبغة نووية. فهل تتوفر في بوتين وبايدن وزعماء أوروبا حنكة ورغبة حل الأمور عبر إدارة فاعلة للأزمة؟ أم أن نزعة الاستقواء والغطرسة والعناد تسيطر على الافعال؟ هذا سيتوضح مع الوقت القريب إن طال النزاع، وعليه يتوضح مسار الأمور وإلى أين نتجه.

ملاحظة على الهامش: تكتل أوروبا الكاثوليكية بقيادة البروتستانتي الأميركي تجاه الارثوذكسية بقيادة روسيا دفاعا” عن أوكرانيا الكاثوليكية. ما تأثيرات ذلك على منطقتنا؟ وما انعكاس ذلك على منطقة الشرق الأوسط قلب العالم ومركز تصادم القوى؟(يتبع)