
القرض الحسن
تستمر “جمعية القرض الحسن” في العمل كشريان مالي حيوي خارج إطار الشرعية والنظام المصرفي المحلي والدولي. وعلى الرغم من حزمة العقوبات الأميركية المتلاحقة التي فُرضت عليه للحد من أنشطته، يتمدد هذا الكيان ليعزز ما يُعرف بـ “الاقتصاد الموازي”، وسط غياب تام لأي إجراءات رقابية أو خطوات تنفيذية من قبل أجهزة الدولة اللبنانية لوضع حد لهذه الظاهرة التي تقوض سيادة القانون والمالية العامة.
لم يعد “القرض الحسن” مجرد مؤسسة لمنح القروض الصغيرة مقابل الذهب، بل تحول عملياً إلى الخزانة المركزية لجمع التبرعات وإدارة الأموال. وتؤكد المعطيات المتوافرة لـ”صوت بيروت انترناشيونال”، أن هذا التحول جاء استجابة لضغوط مالية غير مسبوقة ناتجة عن تعذر عمليات إعادة الإعمار وشح التدفقات المالية الإيرانية التي كانت تشكل العمود الفقري لتمويل الحزب.
وأمام هذه التحديات الخانقة، وجد الحزب نفسه مضطراً لتبني سياسية تقشف حادة، تجلت أبرز مظاهرها في تعليق أو تخفيض رواتب عدد كبير من المقاتلين والعاملين في مؤسساته. هذا إجراء غير مسبوق يعكس حجم الأزمة المباشرة والجهود المستميتة لتوفير السيولة اللازمة لتغطية الاستحقاقات المالية الضاغطة ودفع التعويضات للبيئة المتضررة.
وفي إطار محاولات الالتفاف على الضغوط المالية وشبكات المراقبة، برزت إلى الواجهة في الجنوب جمعيات محلية تعمل كواجهات بديلة، وفي مقدمتها جمعية “وتعاونوا”. تنشط هذه الجمعية تحت شعارات إغاثية وإنسانية براقة لتقديم المساعدات للمتضررين، في حين أنها لا تخفي انتمائها للحزب.
تكمن خطورة نشاط هذه الجمعية في قيامها بجمع التبرعات والسيولة النقدية بعيداً عن أجهزة الدولة ومؤسساتها الرقابية، هذا النشاط المالي المستتر يضمن تدفق أموال غير خاضعة للمساءلة أو للمعاينة الدقيقة، مما يتيح إعادة توجيهها لخدمة أولويات الأجندة الخاصة بعيداً عن أي أطر قانونية.
استمرار عمل هذه المنظومة المالية الموازية لا يشكل فقط خرقاً للقوانين المحلية والدولية، بل يُرسّخ واقع تقويض مفهوم الدولة وتهميش أجهزتها الرقابية. فبينما يواجه المواطن اللبناني العادي والقطاع المصرفي الشرعي قيوداً صارمة وضغوطاً هائلة، تتمتع هذه المؤسسات بحرية حركة مالية كاملة دون أي خشية من المساءلة القضائية أو الإدارية.