
الرئيس الإيراني المنتخب مسعود بزشكيان
أثار فوز الإصلاحي مسعود بزشكيان نوعاَ من الحذر رغم التسابق على تهنئته من قبل العديد من رؤساء الدول ، الذين يعولون على تغيير في السلوك الايراني، ان على الصعيد الداخلي او تجاه الدول المحيطة بها لاسيما تلك التي ثبتت فيها نفوذها بشكل مباشر او من خلال الميليشيات التي انشأتها.
السؤال الأول الذي يتبادر الى ذهن المراقبين ما هي دلالات وصول اصلاحي الى رئاسة ايران وهل وصوله وهل تحقق فوزه بعيدا عن سطوة وموافقة المرشد الاعلى علي خامنئي ؟ هذا السؤال أجاب عليه المحلل السياسي المختص بالشأن الإيراني دانيال الأحوازي في حديثه لموقع “صوت بيروت انترناشونال” بتعريف للنظام للوصول إلى توصيف الأمور بشكل واقعي إن لناحية المؤسسات التي تناصر أو تتحكم بصنع القرار داخل النظام الإيراني ,لاسيما تلك المرتبطة بخامنئي ,على سبيل المثال مجلس صيانة الدستور لناحية الموافقة على طلبات المرشحين او رفضها.
هناك العديد من الأساليب التي تستخدم لخدمة هذا النظام إذا صح التعبير وفق المحلل دانيال .كما نعلم ونؤمن به ان هذا النظام يدار من قبل الولي الفقيه والمؤسسات المرتبطة به من الناحية السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية . هناك الحرس الثوري ومؤسسات أخرى مثل مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء يتم اختيار غالبية شخصيتهم واعضائهم ووضعهم في المؤسسات المهمة وإعطائهم الشرعية والقوة والقدرة لتنفيذ أجندة وسياسة ما يقرره المرشد . ولو لم يكن هناك دور لخامنئي نستطيع أن نقول بأن هذه الجمهورية الإسلامية قد يطلق عليها حينها “الجمهورية الإسلامية الديمقراطية” الا ان شكلها الحالي يندرج تحت مسمى “الجمهورية الإسلامية الديكتاتورية”.
يعتبر الاحوازي ردا على سؤال حول الاسباب التي اوصلت الاصلاحي الى سدة الرئاسة وهل لصراع المحافظين مساهمة في إيصال بزكشيان ، انه بكل صراحة ومصداقية ان المجتمع في هذه الخارطة السياسية التي تسمى بإيران وخلافا لما يجري خارج حدودها ، يدرك انه ليس في الساحة الايرانية السياسية اي خلاف او اختلاف بين الوجه الإصلاحي والوجه المحافظ ، فجميع هؤلاء هما دمى لتنشيط واطالة عمر النظام ضمن نهج واستراتيجيات يضعونها اصحاب النظريات ومن يرسمون سياسة هذا النظام على جميع الاصعدة ان كانت قريبة او بعيدة المدى . لهذا نجد داخل النظام ركيزتين اساسيتين هما ايران الدولة وايران الثورة , وكلاهما يدعم الآخر ، لأن من يعمل في السياسة يختلف عمن يصنع الاستراتيجية الذي تنحصر بفكر وعقل واحد مؤمن ايمانا كاملا بهذه الخارطة الجغرافية وتوسيعها على اساس ايديولوجي او هرمي او سياسي.
مع فوز الإصلاحي لا بد من السؤال ان كان هذا الفوز يؤشر الى سياسة جديدة لطهران لاسيما وان الامر يترافق مع ترجيح تولي مجتبه خامنئي المرشدية بعد والده . يؤكد المحلل الاحوازي انه ليس هناك سياسة تختلف عن سياسة فرد او شخص بعينه, لان هناك نهج ثابت لدى النظام وخطاب متغير ولديه اساسياته وتحالفاته واجنداته وركائزه التي يستند عليها لاستكمال مسار نظرياته واستراتيجياته . الخطاب المتغير يستعمل لخارج الحدود وليس لداخلها ، لأنه لا بد هناك سياسات مرسومة وتحالفات اقليمية وامنية مخالفة للنهج للعبور من مراحل متعددة في عالم مليء بالتناقضات. لهذا السبب عندما نقول ان ايران تستعمل الخطاب المتغير لرسم خارطة سياسية واستثمار خارج حدودها، لانهم وصلوا الى معرفة وإيمان كامل بأن الدول وعلى سبيل المثال الدول العربية التي تعيش في محيطها ، التي يرسم معظمها سياسته على تغيير هذا الخطاب وليس النهج وهذا ما يتسبب بمواجهة طهران لمطبات تارة تصب لصالحها وتارة اخرى تعاكس مصالحها والامثلة عديدة.
ولذا فان ايران وفق المحلل دانيال الاحوازي ترسم سياستها بحنكة من خلال استعمال الخطاب الذي يرضي صانع القرار العربي او يتماشى مع ما يتطلبه، لهذا السبب نشهد حالات مد وجزر في عالم التحالفات والاتفاقات المبنية على القواعد الدولية مثل مبادىء حسن الجوار وغيرها .هذه السياسة واضحة ولا تحتاج الى البحث العميق للوصول الى هذه الاستنتاجات. منذ العام 1979 الى يومنا هذا اكثر سياسة واضحة في العالم هي سياسة واجندة النظام الايراني لكن ليس هناك رادع ولا ارادة لمواجهة مشاريعها المتعددة.
أما بالنسبة للمقاربة المطروحة بين سياسة الرئيس الايراني السابق ابراهيم رئيسي والإصلاحي الفائز بزيكشيان لا بد من التشديد على أن هناك مبدأ واحد انتفاء الشارع الدبلوماسي بالمعنى الحقيقي والحقوقي المؤثر في رسم الخارطة السياسية داخل ايران ، بل هناك “دمى” وهذا الحديث ليس من باب العداء بل من باب الواقعية ومعرفة هذا النظام الايديولوجي الطائفي، لانه عندما نتحدث عن هذا النظام الذي يعتبر نفسه ثوري لديه قائد ثورة يعمل على تصديرها ، وبالتالي فان الامور عقائدية أكثر منها سياسية وهذا ما يؤشر إلى انتفاء دور الشارع الدبلوماسي بتعاريفه الموجودة إن على صعيد رئاسة الجمهورية او الحكومة المثال الحكومة .هناك المؤسسات العسكرية المرتبطة بولي الفقيه كما أن الاقتصاد تحت سيطرة المؤسسات التابعة له ،وعلى سبيل المثل مؤسسة خاتم الانبياء الأذرع العسكرية العقائدية التي تحمل السلاح العقائدي وأبرزهم الحرس الثوري و فيلق القدس . هل هذه تأخذ سياساتها او اجنداتها من الشارع الدبلوماسي ام من قائد الثورة قائد القوات المسلحة.
اما عن تأثيرات هذا الفوز على الاصلاحيين والمحافظين او المتشددين.
ايران تعرف دائماَ وابداَ تدرك كيفية ادارة السياسة بتناقضاتها هذه التعاريف المتعارف عليها في الداخل الايراني الطيف الاصلاحي المتشدد او المعتدل ، مجرد عناوين ترتبط بأجندة ونظريات سياسية مستخرجة من النهج الثابت لهذا النظام، وهذا أمر مهم جدا وسؤال مفصلي وللاجابة على هذا السؤال نجد من خلال جردة بسيطة للنظام من الداخل وربطه بسياسة الدول الكبرى وعلى سبيل المثال أنه عندما كان من يحكم الولايات المتحدة الذي هو “الشيطان الاكبر” في المنظومة الفكرية التي تحكم ايران ،جمهوري يقابله اصلاحي بالعنوان فقط وليس بالنهج وبالخطاب وإن كان هناك ديمقراطي سيكون هناك متشدد للوصول الى الاهداف والسياسات المرجوة لكن كلا الفريقين هما لمصلحة النظام واطالة عمره.
ويتابع المحلل الأحوازي عندما يعبر السباق مرشح اصلاحي مثل بزيكشيان وهناك عدد من المحافظين مثل سعيد سعيد جليلي وغيره فهذا الامر هو قمة الحنكة السياسية هدفها العزف على وتر الشارع الداخلي لتخويف من يعيش على هذه الخارطة وبين من يحكم ايران من قبل المتشددين وتخويف الموالين للنظام من الاصلاحيين وربط سياسات الداخل الايراني بالسياسات الدولية .لهذه الأسباب نجد بأن المرحلة الثانية من الانتخابات هي نقلة نوعية وهناك اختلاف شاسع ما بين عدد الآراء. هذه السياسات والاستراتيجيات استعملها لنظام للعزف على وتر تخويف الجهتين المنتمية والمعارضة في الداخل وايضا المجتمع العربي والدولي الذي هنأه على فوزه مرحبين بوصول اصلاحي الى الرئاسة الايرانية بعيدا عن المتشدد معولين على تغيير في سياسة طهران ، لكن الواقع لن يتغير لان من يرسم السياسة ليس الشارع الدبلوماسي بل المرشد.
هذا النظام استراتيجياته وسياسته او ادبياته مرتبطة بنظريات وهذه النظريات لديها روابط سياسية وهذه الروابط لديها تعاريف سياسية وهذه التعاريف لديها اجندات و نظام معقد لن يستطع أحد معرفة كيف ترسم سياساته وخططه ويصعب على المجتمعات الدولية وحتى العربية التعامل معها لانه يحتاج لمشاريع سياسية وليس تحريمات وامور اخرى تجنب المجتمع الدولي والعربي الاذى المتأتي من سياسته ونهجه الذي لن يتغير بوصول اصلاحي لرئاسة يحدد سياستها الولي الفقيه.