
مجلس النواب (رويترز)
منذ عقود، تعيش الجمهورية اللبنانية تحت سطوة قوى الأمر الواقع التي أحكمت قبضتها على مفاصل الدولة، من رأس الهرم إلى أسفله، مستخدمةً السلاح أداةً لترهيب الداخل. وفي ظل هذه الهيمنة، باتت تهمة “الإرهاب” التوصيف الأكثر تداولًا في المشهد القضائي، ولا سيما أمام المحكمة العسكرية، حيث تصدرت المادتان الخامسة والسادسة من قانون مكافحة الإرهاب الصادر عام 1958 مقدمة القرارات الظنية في أغلبية الملفات. وغالبًا ما كانت هذه التهم “تُلبَّس” لبعض الموقوفين، وتأتي فضفاضةً قياسًا بما اتُّهموا باقترافه، إذ تستند معظمها إلى وثائق اتصال كيدية أو إلى روايات بعض الشهود المشكوك فيها، والتي لا يُفسح، أحيانًا، لوكلاء الدفاع المجال للوصول إلى أدلة قد تقلب مسار المحاكمات.
هذا النمط، الذي ساد على مدى سنوات، أدى إلى زج الكثير من الشباب خلف القضبان، ينتظرون المحاكمات، ليخرج بعضهم بعد سنوات بأحكام براءة، محملين بالنقمة، بينما يمضي آخرون فترات تتجاوز العقوبة المستحقة، مما يؤكد وجود أيادٍ خفية تدير دفة الدخول إلى السجون والخروج منها وفق أهواء سياسية. إن اعتماد هذه المواد القانونية أساسًا لمعظم الملفات جعل من السجون اللبنانية مرآة تعكس الواقع القائم على الأرض، حيث تُستخدم تلك النصوص لتوجيه اتهامات قاسية تتراوح بين الأشغال الشاقة المؤبدة والإعدام.
خلف تلك القضبان، التي تخفي وراءها أوضاعًا مأساوية تراكمت على مدى سنوات من دون أن تتم معالجتها، حتى أصبحت مستودعات يخرج منها السجناء إلى مثواهم الأخير، ومعظمهم نتيجة الإهمال الطبي، يقبع شباب دفعوا ثمن مواقفهم السياسية، وقُيِّدت حرياتهم بتهم صُممت لتصفية الحسابات. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في ملفات قضائية مهملة، بل هم بشر استُخدمت قضاياهم سلعًا في صفقات سياسية، والعفو يُمنح أو يُحجب بناءً على مصالح القوى المسيطرة، لا بناءً على ميزان العدالة.
اليوم، ستكون الكتل النيابية أمام مواجهة مكشوفة في ما يرتبط بالنقاشات التي ستُجرى تحت قبة البرلمان، حيث ستجتمع الهيئة العامة على مدى يومين لمناقشة 44 بندًا، أبرزها الاقتراحان المتعلقان بإلغاء عقوبة الإعدام، وقانون العفو العام، وتخفيض العقوبات.
يبدو واضحًا أن الجلسة ستشهد نقاشًا حادًا، فهناك جهات تسعى جاهدة لعرقلة هذين الاقتراحين، وتمرير ما تم حياكته خلف الأبواب المغلقة بين المحور وحلفائه، خوفًا من أن يستفيد منهما الشيخ أحمد الأسير، خصوصًا أن المتضررين من خروجه كثر. وفي ظل هذا المشهد، ستكون الجلسة التشريعية أمام امتحان حقيقي يكشف الحدود الفاصلة بين منطق الصفقات وتصفية الحسابات، وبين منطق العدالة.
“أفخاخ وألغام”
رغم الصرخات التي أطلقها المحامي محمد صبلوح، الناشط الحقوقي الذي أوصل هذه المعضلة إلى المحافل الدولية، مواجهًا التهديدات التي وصلت إلى حدود التصفية الجسدية، فإنه استمر في نضاله لتصويب بوصلة العدالة من خلال ما يمتلكه من معطيات أفصح عن بعضها، وهو يعول على من سانده ليترجم كلامه بالأفعال.
وفي هذا السياق، تحدث صبلوح لموقع “صوت بيروت إنترناشونال” حول آخر التطورات في هذا الملف، الذي يتجنب مقاربته من زاوية طائفية، إلا أن الوقائع السياسية تفرض كشف كواليس ما يدور. وأكد أنه تم عقد لقاءات مكثفة مع النواب السنة باعتبارهم الجهة المبادرة بتقديم مشروع قانون العفو العام. غير أن كواليس اللجان النيابية المشتركة شهدت محاولات مستمرة لزرع “أفخاخ وألغام” تشريعية من قبل أطراف تسعى جاهدة لعرقلة هذا الملف وإفراغه من مضمونه.
وأضاف صبلوح أنه، مقابل كل عقبة كانت توضع، كانت ترتفع أصوات المعارضة، لتأتي الوعود بصيغ بديلة تبين لاحقًا أنها مجرد مناورات للالتفاف على جوهر القضية، حيث طُرحت صيغة تقضي بغض النظر عن قانون “العفو العام” والالتفاف عليه عبر طرح قانون يعدل عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، لتصبح العقوبة 17 عامًا. إلا أن الفخ الأكبر الذي نصبه “حزب الله” تجسد في إدخال بند “المؤبد المشدد”، مقيدًا إياه في المادة الخامسة بشروط تحرم المحكوم من أي تخفيض للعقوبة إلا بعد انقضاء 25 سنة فعلية، بموجب قانون تخفيض العقوبات.
هذا الالتفاف التشريعي، وفق صبلوح، دفع بالنواب السنة إلى رفض الصيغة المطروحة جملةً وتفصيلًا. ورغم المبادرة التي قدمها رئيس الحكومة نواف سلام لجمع النواب ومعالجة الثغرات، جوبهت مساعيه بتجاهل تام واستهتار مكشوف بالحقوق والمطالب التي يرفعها النواب ورئاسة الحكومة على حد سواء.
وأمام هذا الواقع المفروض، لم يعد الصمت ممكنًا، وباتت مقاطعة الجلسات الممر الإلزامي الوحيد لمنع تمرير هذه الصفقات. واليوم، تقع المسؤولية على عاتق كل نائب، فحضور الجلسة لم يعد مجرد خيار سياسي، بل هو خروج صريح عن وحدة الموقف وتآمر على قضايا المظلومين، لا سيما في ظل المقاطعة الشاملة التي أعلنها نواب الشمال وبيروت وبقية المناطق لكسر نصاب تشريع الأمر الواقع.
نواب الأمة اليوم أمام خيارين: إما الانحياز إلى الحق، وإما التواطؤ في تمرير مسار قضائي يفتقر إلى أدنى معايير الإنصاف.