الجمعة 16 ذو القعدة 1445 ﻫ - 24 مايو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الاعتماد الدّولي للمدارس.. خشبة الخلاص

كتب الأمين العام للمدارس الإنجيليّة نبيل قسطه في “النهار”:

لطالما اعتَدتُ مقاربة القضايا بالمباشر ومعالجة الأمور وفق قناعتي ورؤيتي، من دون تعميةٍ وإبهام، من دون غمزٍ ولمز، من دون أيّة محاولة التفاف، مع كامل احترامي وتقديري لجميع التربويّين في هذه الظروف الصعبة.

وبالمباشر إيّاه، وبصراحةٍ تامَّة، أقول ما ليس خافيًا على مَن يُتابِعون عن قُرب المسارَ التربويّ في #لبنان: إنَّ التربية في بلَدِنا ليست بخَير، بل إنَّ الأمور تزداد تراجعًا وتعقيدًا، حتّى بِتنا نرى القِطاعَ في الآونة الأخيرة يتخبَّط لاسترداد أهمّ مقوِّماته التي لطالما شكَّلت مصدرًا للتباهي والتمايُز في محيطنا المشرقيّ وفي الكثير من دول العالم.

وإذا كانت مشكلتُنا الاقتصاديَّة في لبنان قد ظهرت بوضوح مع سلسلة الرواتب والأُجور والنّزاع على الدّرجات الستّ وملحقاتها، فإنَّها لم تنتهِ اليوم مع شدِّ الحبال في مسألة الشهادات الرّسميّة والتراجع الأكاديميّ. وبين هاتين المحطَّتَين التربويَّة والأكاديميَّة، شهد التعليم ما شهده سواه من القطاعات جرّاء جائحة كورونا، وأحداث 2019 والانهيار الماليّ وما استتبَعَ ذلك من خسائر.

فنحن نواجه أزمة تربويَّة حقيقيَّة، من أبرز مظاهرها: من الناحية الأكاديميّة، هجرة الأساتذة والفاقد التعليميّ إذ خسرنا في السنوات الخمس الماضية متطلّبات أكاديميّة أساسيّة مطلوبة للنجاح في المستوى الجامعيّ والتعليم العالي، ممّا أدّى إلى تدنّي المستوى الأكاديميّ. ومن جهة أُخرى، لا يخفى على أحد تدهور الظروف النفسيّة بعد الجائحة، والضائقة الاقتصاديّة خصوصًا تحدِّيات الأقساط المدرسيّة ورواتب الأساتذة، ومشكلة الافتقار إلى التوعية والتوجيه في لبنان.

إنَّ المعاناة كبيرة وعميقة، والتداعيات إلى تراكم وازديادٍ متَسارعَين. وها هي الهشاشةُ تطبعُ القِطاع وحجمُ الخطر من السُّقوط يكبُر على رغم المبادرات المشكورة لوزارة التربية والمحاولات الدّائمة لتدعيم هذا القطاع وحمايته. أمّا المناهج الأكاديميّة فقد مرّ عليها الزمن على رغم جهود المركز التربويّ الذي يعمل جاهدًا لكي ترى النور، ولكي نواكب العصر ونرقى بتلامذتنا إلى مستويات عالميّة من جديد. ولكن مع أنَّ العمل على هذه المناهج قد طال، نثق أنَّنا سنراها قريبًا بين أيدينا.

في الحصيلة، قطاعُنا التربويّ في مأزق، بل في عنق الزجاجة، والأمر ليس خافيًا على أحد.
ما كتبته حتى الآن ليس سوى عرضٍ وتوصيف، كمَن يقول لشخص مصاب بمرض مزمن: أنت في خطر! فهل يكفي الوصف لجعله يتخطّى مرضه ويشفى؟ لذلك علينا أن نبحث عن علاج. وربّما يكون الحلّ في عمليَّةٍ جراحيَّة تستوجب استئصال أعضاء وزرع أُخرى. وما أقترحُه شخصيًّا هو حلّ عالميّ جُرِّب وحُدِّث في الخارج ويُحدَّث باستمرار، وفي بعض الداخل اللبنانيّ وقد أعطى نتائج مذهلة.

هذا الاقتناع يكمن في تبنّي برامج “الاعتماد” العالميّة أي Accreditation، سواء أكانت هيئة الاعتماد أوروبيَّة أم أميركيَّة. وهذا الأمر يستوجب تشريعًا رسميًّا، وهنا دور وزارة التربية في رفع المشروع إلى البرلمان اللبنانيّ لإجراء المقتضى القانونيّ اللازم، ليُصار بعدها إلى تعميم الاعتماد على مدارسنا اللبنانيَّة، بحيث يُشكِّل قفزة نوعيَّة للقطاع التربويّ المُترهِّل بمعظمه والمتخبِّط بفعل غياب ضابطٍ للإيقاع.

وقبل الدخول في إيجابيّات الاعتماد، لا بدَّ لي من الإشارة إلى أنَّ الاعتماد لا يتعارض إطلاقًا مع المناهج التعليميَّة الجديدة التي يعمل عليها حاليًّا المركز التربويّ، وحبَّذا لو تُبصر النور في وقتٍ قريب مع إعادة انتظام الدولة اللبنانيَّة. إنَّ الاعتماد يحتضن هذه المناهج ليُكوِّنا معًا نهضة من المرجَّح أن تُعيد للتربية في لبنان بهاءها.

أمّا اختياري للاعتماد ودعوتي لتشريعه، فلكونه يزخر بالقِيم، ويمكن أن يستفيد منه الجميع حتى التلامذة ذوو الصعوبات التعلُّميّة، فالنيّات الحسنة وحدها لا تنفع هذه الفئة من التلامذة، لكن ينبغي أن نوجِد خطّة شاملة جدِّيَّة مبنيَّة على قوانين وإحصاءات. وفي حال تشريع الاعتماد، سيكون قادرًا على الدَّفع بالمؤسَّسات التعليميَّة إلى تنفيذ استراتيجيّات تصقُل عروضها التعليميّة، ما يُعزِّز اعتراف المجتمع الدوليّ بها. فمن أبرز إيجابيّات الاعتماد أنَّه يُشدِّد على أهميَّة نتائج عمليَّة التعليم القابلة للقياس، ونزاهة المؤسَّسة، وجودة الموارد، أي مدى كفاية المرافق الماديَّة والبنية التحتيَّة التكنولوجيَّة والموارد البشريَّة في المدرسة لدعم برامجها التعليميَّة، والتقويم والتركيز على النمو لتحسين الأداء.

فالاعتماد يضمن تعليمًا عالي الجودة، ويُلزم المدارس بمعايير صارمة وبتطوير المناهج دوريًّا وبشكلٍ مستدام بحيث يضمن حصول التلميذ على تعليم يؤهِّله للنجاح في التعليم العالي، علمًا أنَّ شهادات البكالوريا الفرنسيَّة والبكالوريا الدوليَّة IB والشهادة الدوليَّة العامة للتعليم الثانويّ (البريطانيَّة) IGCSE وغيرها من الشهادات العالميّة تُطوَّر أكاديميًّا وتُحدَّث كلّ خمس سنوات تقريبًا.

من جهة أُخرى، يُعزِّز الاعتماد الثقّة العامّة، ويُطمئن أولياء الأمور إلى أنَّ أولادهم يرتادون مؤسّسات ملتزمة بتقديم تجارب تعليميَّة عالية الجودة. كما أنَّه لا يغفل عن ضمان القيادة السليمة والممارسات الأخلاقيَّة العالية ويُعِدُّ طلّابًا للنجاح الباهر في عالمٍ مترابط بصورة متزايدة.

ونُشدِّد مرَّة أُخرى على الحاجة إلى ضوابط قانونيَّة إذ لم يعد جائزًا بعد اليوم أن يستمرّ كلٌّ في الغناء على ليلاه (على الأقلّ أكاديميًّا).

وكما نعلم، إنَّ للسياسة يدًا في جميع المجالات في لبنان، وهذا صحيح في المجال التربويّ أيضًا. فلكلّ مدرسة داعم سياسيّ أو طائفيّ. لكنّ الاعتماد سيُساوي بين الجميع وسيُعطي المدارس كافّة مهلة سنتَين للتطبيق. وبذلك نكون قد انتقلنا من تجاذبات التعليم السياسيّ والطائفيّ إلى تعليم تربويّ بحت بمستوى عالميّ.

أخيرًا، قد يبدو هذا الأمرُ صعبًا بالنسبة إلى كثيرين في القطاع التربويّ، وهذا صحيح. لكن بفضل التوعية، صار كثيرون من المسؤولين التربويّين مقتنعين، بل متحمِّسين، للمضي قدمًا بهذه المبادرة. ويكفي أن نعرف ما حقَّقه الاعتماد من نتائج في المدارس التي تبنَّته حتى نُسارع جميعًا إلى المطالبة بتشريعه، لأنَّه في اعتقادي، خشبة خلاص.

فلنُسرع نحو باب النَّفق لنخرج جميعًا إلى الضوء.

    المصدر :
  • النهار