
انتشار الجيش اللبناني خلال تظاهرة لمناصري حزب الله
في وقت يمر فيه لبنان بمنعطف تاريخي حاسم يحدد تموضعه الإقليمي والدولي ومستقبل استقراره، جاءت المواقف الصادرة عن مصادر دبلوماسية خليجية لـ”صوت بيروت إنترناشونال” لتضع النقاط على الحروف، وترسم خارطة طريق واضحة للخروج من النفق المظلم. هذه القراءة الخليجية حملت تشخيصاً دقيقاً للعلّة اللبنانية، وتأكيداً حاسماً على شروط التعافي التي تبدأ وتنتهي عند مفهوم “الدولة والشرعية”.
تطرح المصادر الخليجية سؤالاً جوهرياً يواجه الأصوات المعترضة على مسار التفاوض الحالي، “لماذا اضطر لبنان للذهاب إلى طاولة المفاوضات في المقام الأول؟ الإجابة تكمن في سلسلة من الحروب العبثية والقرارات المصيرية التي اتُّخذت خارج إطار الدولة وبمعزل عن إرادة الشعب اللبناني. وهي مغامرات جاءت بأوامر وتوجيهات إيرانية مباشرة، دفع لبنان ثمنها باهظاً من دماء أبنائه، وبنيته التحتية، واستقراره الاقتصادي.
تُجمع القراءة الإقليمية على أن السبب الرئيسي وراء تآكل السيادة اللبنانية هو سلاح حزب الله الذي يعمل خارج الأطر الشرعية والدستورية، هذا السلاح، الذي تحول من ذريعة “المقاومة” إلى أداة لرهن البلد لمصالح المحور الإيراني، يجب أن ينتهي مفعوله الإقليمي والداخلي. وبدون تسليم هذا السلاح، لن يذوق لبنان طعم الأمن والاستقرار المستدام. اليوم، يجد لبنان نفسه بلا خيارات رفاهية، فالتفاوض الرسمي هو السبيل الوحيد المتبقي لحماية ما تبقى من الوطن، ومنع تحويل أراضيه مجدداً إلى “صندوق بريد” لتبادل الرسائل النارية بين القوى الإقليمية.
في المقابل، تبدو الرسالة الخليجية حازمة تجاه آلية التعامل مع الدولة اللبنانية. تؤكد الدول الخليجية دعمها المطلق والمحصور بالخطوات التي يقوم بها رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية، باعتبارهما الممثلين الشرعيين الوحيدين للبلاد، وأي حوار أو تنسيق مع لبنان لن يمر إلا عبر مؤسساته الرسمية. ومن يحاول الالتفاف على هذه المؤسسات لحجز مقعد له على طاولة المفاوضات الدولية، فإن جهوده ستذهب هباءً، فليرمِ السلاح أولاً، وليعد الجميع تحت سقف الدولة، وعندها فقط يُفتح باب الحوار الدبلوماسي.
وتشير المصادر إلى حجم “الخديعة” التي تحاول طهران تسويقها لحلفائها، فالحديث الإيراني المستمر عن أنها تفاوض القوى الكبرى بالنيابة عن لبنان، أو أنها تسعى لشمول المصالح اللبنانية في اتفاقياتها الخاصة، ليس سوى أوهام سياسية واهية لا رصيد لها على أرض الواقع، فالدول الكبرى والمنظومة الدولية تدرك تماماً أن من يمتلك التفويض الشرعي والقانوني للتفاوض باسم الشعب اللبناني هي الدولة اللبنانية حصراً وعبر مؤسساتها الدستورية، والجهود الدبلوماسية المستمرة التي تبذلها الحكومة اللبنانية ورئاسة الجمهورية، هي نتاج خالص للتحرك الرسمي اللبناني، ولا دخل لإيران أو لأجنداتها فيها من قريب أو بعيد.
يضع هذا الموقف الخليجي الصريح القوى السياسية اللبنانية، وبيئة حزب الله على وجه الخصوص، أمام مرآة الواقع، إما الاستمرار في سياسة التبعية للمشروع الإيراني ومواجهة العزلة الشاملة والانهيار المستمر، وإما العودة الشجاعة إلى الحضن العربي والالتزام بقرارات الشرعية الدولية والدستور اللبناني. لقد أثبتت التجارب أن الرهان على الأجندات الخارجية يسقط عند أول منعطف للمصالح الكبرى، وأن حبل النجاة الوحيد للبنان هو دولة قوية، ذات سيادة، بسلاح شرعي واحد، ومؤسسات تحمي الجميع.