الثلاثاء 7 صفر 1448 ﻫ - 21 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

قاسم يهدد بزوال اسرائيل والضاحية تنزح!

لم تكد تمضي أقل من أربع وعشرين ساعة على الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، والذي حمل في طياته وعوداً حاسمة بـ “زوال إسرائيل” حتمياً، حتى شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت مشهداً مغايراً تماماً لما حملته نبرة الخطاب العالية.

موجة نزوح جديدة وعشوائية دبت في أزقة وشوارع الضاحية، في مفارقة لافتة تمثلت هذه المرة في غياب أي إنذارات رسمية أو تحذيرات مسبقة من قِبل الجيش الإسرائيلي عبر منصاته المعتادة.

هذا التحرك المفاجئ لآلاف العائلات لم يكن مدفوعاً بتهديد عسكري مباشر وموقت، بل جاء كترجمة فعلية لأزمة ثقة متجذرة بدأت تطفو على السطح بين البيئة الحاضنة وقيادة الحزب الحالية، حيث باتت الخطابات السياسية والعسكرية المنفصلة عن الواقع ـ بحسب تعبير العديد من السكان ـ تثير القلق والريبة بدلاً من الطمأنينة.

يتحدث أهالي الضاحية الجنوبية اليوم بلغة يملؤها الإحباط والإنهاك، إذ لم تعد الوعود بالنصر قادرة على ترميم تصدعات جدران منازلهم أو تأمين ملاذات آمنة لأطفالهم. ويرى السكان أن الاندفاعة اللفظية الأخيرة للشيخ نعيم قاسم تعكس انفصالاً واضحاً عن المعاناة اليومية التي تعيشها العائلات عند كل موجة تهجير.

يقول أحد أبناء المنطقة، ممن غادروا شقته ليلاً برفقة عائلته لموقع “صوت بيروت انترناشيونال”:

“الشيخ نعيم قاسم والقيادة لا يدركون حجم الكارثة الإنسانية والمعيشية التي نمر بها مع كل إنذار أو تهديد نشعر بع، نحن الذين نركض في الشوارع عند منتصف الليل لحماية أطفالنا، ونحن من نفترش الطرقات بحثاً عن مأوى، لقد مللنا الحروب العبثية التي لا تجر علينا سوى الخراب والتشريد”.

هذا الصوت لم يعد معزولاً، بل يعكس لسان حال شريحة واسعة تعيش تحت وطأة ضغوط نفسية واقتصادية هائلة، معتبرة أن “خطابات الوعيد والزوال” أصبحت تفتقر إلى الأثر الفعلي على الأرض، بل وتأتي بنتائج عكسية تدفع بالناس نحو المجهول.

العامل الحاسم الذي يغذي حالة الغضب المكتوم داخل الضاحية هو الإحساس المتزايد بوجود “شرخ طبقي وأمني” بين قيادات الحزب وعامّة الناس. فبينما يواجه المواطن العادي مشقة البحث عن شقة للإيجار بأسعار خيالية، أو يضطر للجوء إلى مراكز الإيواء المكتظة، تشير الشكاوى الميدانية إلى أن مسؤولي الحزب وكوادرهم وعائلاتهم يتنقلون مرتاحين بين شقق سكنية آمنة تم تأمينها مسبقاً في مناطق بعيدة عن دائرة الاستهداف.

المقارنة القاسية التي يجريها الأهالي بين “بيئة تعيش في العراء” و”مسؤولين يتمتعون بالحماية والسرية” باتت تهز الركائز الأساسية التي بنيت عليها العلاقة بين الحزب وجمهوره. فالشعور بالترك والخذلان يتفاقم عندما يرى المواطن نفسه وقوداً لمعركة لا يملك قرارها، ولا يحصد منها سوى خسارة جنى عمره.

تأتي موجة النزوح الأخيرة بالتزامن مع ذكرى “عيد المقاومة والتحرير”، وهي المناسبة التي طالما استغلها الحزب لترسيخ سردية القوة والردع. إلا أن مشهد السيارات المحملة بالأمتعة وهي تغادر الضاحية في عتمة الليل، أضفى على هذه الذكرى طابعاً مأساوياً، حيث وصفها بعض المغادرين بـ “الزائفة”، بالنظر إلى أن التحرير المفترض لم يؤمن لهم الاستقرار، ولم يحمِ مناطقهم من التحول إلى ركام.

تؤكد المعطيات الميدانية أن الضاحية الجنوبية تعيش اليوم تحولاً بنيوياً في المزاج الشعبي، فالخوف من القادم لم يعد نابعاً من قوة الخصم فحسب، بل من العشوائية في إدارة الصراع وغياب الرؤية الواقعية لدى القيادة الجديدة للحزب، والتي يبدو أنها عاجزة عن قراءة حجم التعب والإنهاك الذي أصاب حاضنتها الشعبية بعد سنوات طويلة من الأزمات المتراكمة