السبت 9 ذو الحجة 1445 ﻫ - 15 يونيو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الدستور المعلّق

أصبح ثابتاً أن القوى السياسية الحاكمة لا تريد انتخاب رئيس. كلٌ له أسبابه ودوافعه ولكن الجميع لا يريدون رئيساً عليهم ما لم يكن خاضعاً لهم. لا أحد يريد انتخاب رئيس لا يوافق مصالحه. هذه الحقيقة تدفع كثيرين إلى تفضيل الفراغ على الإتيان بما هو أسوأ منه.

“زعماء” الموارنة يستمرون في الصراع نفسه وفي عملية التدمير الذاتي التي أتقنوها منذ ما قبل الاستقلال، والتي تُختصر بمقولة أنا أو لا أحد. وفي الأثناء يتبارزون في المزايدات التي تتمحور حول مزيد من الانغلاق على الذات وينحصر نتاج مصانع الأفكار التي تدور في فلكهم حول طروحات تتناقض مع الاستمرار في مشروع لبنان الوطن الحالي الذي كان آباؤهم وراء إطلاقه. وكأن العجز عن ابتكار الأفكار الوطنية الجامعة أصبح سمة شاملة وقاسماً مشتركاً. ومردّ ذلك إلى حالة ذهنية غير واعية تقوم على رفض الخسارة وتفضيل خيار تدمير اللعبة رغم أن اللاعب نفسه كان هو من ابتكرها ودعا الآخرين إلى مشاركته اللعب فيها.

أما زعماء الطوائف الأخرى الحاكمة، فما زالوا مقيمين في عقلية الانتصار في الحرب الأهلية على خصمهم الوهميّ المسمّى آنذاك “المارونية السياسية”، ويخشون أي شكل من أشكال عودة ذلك الخصم إلى الحياة بعد أن أشرفوا على قتله ودفنه وتوزيع ميراثه عليهم. وبعد أن استحكم أطراف منهم في السيطرة على مقاليد القرار، تراهم يفضّلون الاستمرار بهذا النوع من السيطرة وإن أدّت إلى أسوأ أنواع الانهيار والفقر والتفكك، لأنها تناسب وضعهم السلطوي هذا أكثر من وجود رئيس لا يأتمر بهم ويكون قادراً ربما على إدارة عملية إعادة بناء المؤسسات وتهديد نفوذهم الفوق المؤسساتي.

رغم هذه الحالة الثابتة، لا يزال اللبنانيون ينتظرون انتخاب رئيس لهم، لأنه المدخل الطبيعي إلى حدّ أدنى من إعادة ترتيب الأمور على صعيد عمل المؤسسات وحكم القانون. قد يُنتخب رئيس يوماً ما، ويكون ذلك على قاعدة توافق معظم أطراف الجماعة الحاكمة ومباركة الجهات الخارجية التي يرتبطون بها، ولكن لن يكون ذلك مدخلاً إلى بناء الدولة التي تليق بهذا الوطن. لأن الثوابت الآنف ذكرها سوف تبقى، وستستمرّ الصراعات بين تلك القوى على بقايا المؤسسات والموارد، ولن يكون من مصلحتها السماح ببناء الدولة لأن هذه خطرٌ عليهم جميعاً إن هي وُجِدَت وقَوِيَت وأصبحت ملجأ اللبنانيين وحاميتهم.

كل ما يحصل اليوم في مجلس النواب من عقد جلسات وإقرار قوانين، هو مخالف للدستور. لأن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية، وهو في حالة انعقاد حكمي بحسب #الدستور، يعتبر هيئة انتخابية لا هيأة اشتراعية ويترتب عليه انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة او اي عمل آخر.

هذا النص التأسيسي الأسمى الذي يفترض به أن يكون ناظماً للعمل المؤسساتي أصبح خارج الخدمة، وهو حقيقةً في حالة تعليق تشبه ما كان يحصل أيام الانتداب الفرنسي حين كان المفوّض السامي يقرّر في زمن الأزمات تعليق الدستور. ولكن الفارق بين اليوم والأمس أنه في ذلك الزمان كان تعليق الدستور يحصل مع مراعاة عدم الوقوع في الفراغ فكان المفوّض السامي يعيّن رئيساً وحكومة وتستمرّ المؤسسات بالعمل. أما اليوم فالإطاحة بالدستور تتم عبر وضعه جانباً وتجاوز أحكامه الآمرة رغم كونها نافذةً غير معلّقة التنفيذ، وعبر التمتّع بثمار الفراغ الرئاسي الذي يزيد نفوذ المسيطرين على مقاليد البلاد ومصائر الناس.

هذه المعادلة تعني أن الرهان سوف يبقى على انتخابات مقبلة، ربما تسمح بدخول قوى من نوع آخر تحمل فكراً وطنياً نقياً إنقاذياً.