
اجتماع بعبدا
في إحدى كلماته في مجلس النواب حين كان رئيسًا لتكتل التغيير والإصلاح قبل ان يُصبِح رئيسًا للجمهورية، استهل العماد ميشال عون تلك الكلمة بالحديث عن “دفتر الدكنجي” الذي يدوِّن فيه يوميًا عمليات البيع، وفي آخر كل يوم “يعمل حساباته” وهذا ما يُسمَّى “قطع حساب”.
عون كان ينتقد الحكومات المتعاقبة آنذاك وكيف انها لم تكن تُصدِر موازنات، وكيف كانت تصرف على القاعدة الإثنتي عشرية، وكأنه يقول “دفتر الدكنجي افضل من حسابات حكوماتكم”.
اليوم، العماد عون رئيسًا للجمهورية، نسي “دفتر الدكنجي”، فظهر سخيًا، كما كانت تفعل الحكومات التي انتقدها، وقرر مع غيره تجديد دعم المحروقات “من كيس المودعين” تمامًا كما كانت تفعل الحكومات السابقة بالصرف من اموال الودائع.
الرئيس عون والرئيس دياب وحاكم مصرف لبنان “وافقوا” على اقتراح وزارة المالية بالطلب الى مصرف لبنان فتح حساب مؤقت لتغطية دعم عاجل واستثنائي للمحروقات من بنزين ومازوت وغاز منزلي ومقدمي الخدمات وصيانة معامل الكهرباء، وذلك بما يمثل قيمة الفرق بين سعر صرف الدولار الأميركي بحسب منصة “صيرفة” والسعر المعتمد في جدول تركيب الاسعار والمحدد بـ 8000 ل.ل”.
تبسيطًا، منصة صيرفة تبيع الدولار على 16500 ليرة، اي ضعف ال 8000 ليرة تقريبًا، فمَن سيدفع الفرق؟ بيان بعبدا يحيل السؤال إلى موازنة 2022، من خلال قوله:”على أن يتم تسديد هذه الفروقات بموجب اعتماد في موازنة العام 2022.”
لكن عن اي موازنة يتحدث بيان بعبدا؟ اي حكومة ستُعدها؟ هل فات بيان بعبدا ان الصرف يتم وفق القاعدة الاثنتي عشرية لأن لا موازنة لهذه السنة؟ كيف يوافق الرئيس عون على ما كان ينتقده؟ لماذا لم يتذكَّر” دفتر الدكنجي” عن المدخول والمصروف وقطع الحساب؟
حاكم مصرف لبنان رياض سلامة خالف بيان بعبدا فقال لاحقًا لوكالة ” رويترز” : ” أوضح سلامة أن الفارق بين معدل منصة “صيرفة” وسعر الدعم 8000 ليرة سوف تتحمله الحكومة.”
هنا يبدأ “الضياع”: سلامة يطالب الحكومة بان تتحمَّل الفرق، لكن من أين ستاتي الحكومة بالمال؟ هل تطلب اخذه من اموال المودعين لتسدده لمصرف لبنان؟
إنها الهرطقة بابهى تجلياتها:
بيان بعبدا يحيل الفرق الى موازنة 2022 التي لن تولَد.
بيان الحاكم يطالب الحكومة بالتسديد وهو يعرف ان ليس بإمكانها ان تسدد.
إذًا” إدفَع يا مودِع مما تبقى لديك من احتياط إلزامي”.
لا تنتهي الفضائح والهرطقات عند هذا الحد. تصوَّروا ان بيان بعبدا اغفل “التهريب” كأحد اسباب الهدر، فاكتفى بالحديث عن ” التخزين واستغلال المخزون لتحقيق ارباح غير مشروعة”، ولم يُعرَف ما إذا كان هذا الإغفال الفاقع سهوًا أو عمدًا. هذا الإغفال دفع رئيس حكومة تصريف الأعمال إلى إصدار بيان منفرِد حاول فيه ترقيع عورة بيان بعبدا، فاضاف ” التهريب” إلى التخزين والإحتكار.
ما هذا”الإنسجام” الرائع! ثلاثة يجتمعون لدرس اقتراح، فيصدرون ثلاثة بيانات متناقضة.