
جبران باسيل
منذ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي ومن ثم تصاعد ازمة تشكيل الحكومة الجديدة، بدأت الوتيرة العالية لمواقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ومتروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة تبلور معارضة كنسية صارخة لمسارات السياسة التي تنهجها السلطة خصوصا من دون توفير التبعات الاوسع على الطبقة السياسية برمتها. ولكن الوتيرة النارية التي طبعت امس مواقف البطريرك الراعي والمطران عودة تجاوزت الاطار الاعتيادي الذي يترقبه اللبنانيون كل احد، وذهبت في اتجاه استثنائي بالغ الأهمية، بدت معها هذه المواقف بمثابة ثورة كنسية على العهد والسلطة في المقام الأول، وعلى مجمل الطبقة السياسية في ظل تناسل الفضائح والسقطات والأزمات والكوارث على نحو خيالي. جاءت الوتيرة النارية لعظتي الراعي وعودة بعد أسبوع مشحون بملفات القضاء والمقاطعة السعودية والخليجية للمنتجات الزراعية اللبنانية بالإضافة الى الملف المأزوم الدائم المتصل بتعطيل تشكيل الحكومة لترسم معالم تطور لا يمكن معه العهد ان يتجاهل السؤال الكبير الذي ردده كثيرون امس وهو “اين العهد من هذه الاعتراضات الكنسية الصارخة ؟”
في المقابل أطل رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل السبت على اللبنانيين من كوكبه الخاص، عاكساً حالة سياسية ميؤوساً منها، بلغت مستويات عدائية متقدمة تجاه الجميع، ما عدا “حزب الله” وإسرائيل وأميركا، لعلّ أحد أطراف هذه الثلاثية يرمي له طوق نجاة ينتشله من تخبطه، سواء في مستنقع التأليف أو في بحور الترسيم.
فعلى كافة الجبهات القضائية والأمنية والسياسية والحكومية والمسيحية فتح باسيل نيرانه “خبط عشواء”، حتى رأس الكنيسة المارونية لم يسلم من شظاياه، ولم يتوانَ عن الذهاب إلى حد تخوين البطريرك الماروني بشارة الراعي واتهامه علناً بالتفريط بحقوق المسيحيين!
أراد باسيل أن يقول باختصار للبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً: “أنا وليّ أمركم في السياسة والمال والاقتصاد والقضاء والأمن والنفط والغاز، ولن تجدوا من دوني فقيهاً في الدستور والقانون والحقوق والإصلاح والصلاحيات”، فأمعن في سياسة “فرّق تسد” حكومياً وقضائياً وأمنياً ومسيحياً، تحت طائل تهديداته الصريحة لقوى الأمن ومجلس القضاء الأعلى ونبشه قبور حروب الإلغاء المسيحية، ليعبّر في ما يتصل بقضية تمرّد القاضية غادة عون عن تصميم الرئاسة الأولى و”التيار الوطني” على المضي قدماً في شق صفوف السلطة القضائية، من جهة حزب الله المنغمس بالمخدرات، تصدّر عنوان المخدرات المهرّبة الى المملكة العربية السعودية كل العناوين الأخرى، نظراً لانعكاسه على العلاقة بين بيروت والرياض، والتي تراجعت أخيراً بسبب المآخذ السعودية على السياسة اللبنانية. وجاء هذا الملف ليزيد من هذه المآخذ، فضلاً عن ارتداده على المزارعين اللبنانيين الذين فقدوا أحد الشرايين الأساسية لتصريف إنتاجهم، بسبب إهمال الدولة اللبنانية لحدودها ومعابرها، وهيمنة حزب الله على كافة مفاصل الدولة، فيما يراكم لبنان خسائره مع دولة شقيقة كانت السند الدائم له في كل الظروف والأوقات، الأمر الذي يستدعي استنفاراً للدولة لكشف ملابسات هذه الجريمة، وتقديم الإيضاحات المطلوبة للمملكة، في سبيل طي هذه الصفحة التي لا تشرِّف لبنان، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل هذه الفضيحة، حرصاً على العلاقة التاريخية التي تربط بيروت بالرياض، كذلك حرصاً على مصلحة المزارعين، في وقت لبنان أحوج ما يكون فيه إلى مساعدة، وتحديداً من السعودية التي لم تبخل يوماً في مساعدته.