
جمعية "كلنا إرادة"
جمعية “كلنا إرادة” تشبه إلى حد كبير غرفة عمليات سياسية – اقتصادية تعمل فوق الدولة، وتروّج لخطط مالية هدامة لا علاقة لها بمصالح لبنان ولا اللبنانيين،فهي تمثل تطلعات فوقية ، فلا احد يعرف من هي الجهات الحقيقية التي تقف وراء الجمعية ولا أسماء الممولين الحقيقيين، رغم توجيه الأصابع إلى جورج سوروس الممول الأساسي لها، ولكن اللافت هو مسار تأثير الجمعية المتصاعد في المشهد العام اللبناني، خاصة في القضايا الاقتصادية والمالية.
في ظل غياب اي معلومات واضحة عن حجم التبرعات أو طبيعتها، ولا حتى تقارير مالية عن مصاريفها وايراداتها، فالأسماء المعلنة لأعضاء الجمعية ومجلس الادارة تشير الى ان الجمعية ليست سوى نادي مغلق للنخبة الاقتصادية والمالية، التي كانت أصلاً جزءاً من النظام الذي سقط، والذين يحاولون استمالة الناس والتحدث بلغتهم والتعبير عن وجعهم، لكنهم في الحقيقة هم يحمون مصالح الطبقات العليا والشركات الكبرى.
لذلك فان الغموض يلف عمل الجمعية وخلفياتها مما يترك شكوك كبيرة حول غاياتها، خصوصا اذا ما اردنا قراءة “اجندتها”، فإننا نجد بانها لا تخدم سوى مصالح شخصيات معروفة بخلفيات اقتصادية ودبلوماسية بعضها يملك ارتباطات مباشرة او غير مباشرة بمصارف كبرى او مراكز أبحاث خارجية.
لذلك هناك من يرى في “كلنا إرادة” رأس حربة لما يُسمى ب”الليبرالية الناعمة”، التي تُغلف المشاريع الاقتصادية الكبرى بشعارات الحقوق والإصلاح لفرض تصور معين للبنان ما بعد الانهيار، وتُنفَذ تفاهمات دولية لا تخضع للمساءلة الشعبية.
والملاحظ أيضا ان “كلنا إرادة” تتحرك في ملفات متعددة بشكل متناغم مع مؤسسات دولية، أبرزها صندوق النقد الدولي، واللافت انها قدمت اوراقا تحليلية تتطابق مع مقاربات هذه المؤسسات كإعادة هيكلة الدين في العام 2022 على سبيل المثال، فرغم اعتبار هذه الرؤية تقنية لكنها أيضا تحمل أعباء اجتماعية واقتصادية قاسية، خصوصا على الطبقات الفقيرة، علما ان لا صفة رسمية للجمعية وهي لا تملك مصدر سلطة ولا شرعية التأثير، ولكنها سمحت لنفسها الدخول على خط التفاوض المالي، واضعة نفسها في موقع اهم من الدولة .
فالجمعية التي تنفي علنيا ان يكون لها أي صلة بالأحزاب، فان خطابها يتقاطع بوضوح مع بعض المجموعات السياسية التي ظهرت بعد 17 تشرين الأول 2019، وتحديدا تلك التي رفعت شعارات التغيير، والتي يشتبه بتنسيقها مع دوائر نفوذ دولية، وهي قامت بتمويل حملات انتخابية لعدد من الشخصيات في انتخابات العام ٢٠٢٢ حيث وصل عدد من هؤلاء الأشخاص الى المجلس النيابي بفضل دعمها اللامحدود لهم .
وما يستدعي للسخرية أيضا هو رد الجمعية الاخير،حيث اعتبرت في مؤتمر صحافي عقدته مطلع الشهر الحالي بانها تتعرض لحملات تشويه تطالها، رغم ذلك فهي لم تقدّم أي كشف مالي او وثائق تثبت تفاصيل تمويلها او شرعية تدخلها في الملفات الاقتصادية المعقدة، فالجمعية المسجلة في وزارة الداخلية كجمعية زراعية-صناعية وهي اخذت علم وخبر على هذا الأساس، بات لها تأثير سياسي واقتصادي مباشر على الساحة اللبنانية، كما انها تحاول خداع الدولة والاحتيال عليها ، مع العلم ان ملفات الجمعية المقدمة الى الدولة على مدى سنوات كلها مزورة، عدا عن اتهامها ايضا بتبييض الاموال وغيرها من الممارسات المالية غير الشرعية.
وقد اعتبر البعض ان ردها في المؤتمر الصحافي كان أقرب إلى خطاب سياسي عاطفي دفاعي من ان يكون تفنيدا مبنيا على الأرقام والوقائع والمستندات، وهو ما يزيد الشكوك حولها، خصوصا انها لا تتطرق في مقارباتها الى ملفات حساسة مثل التهرب الضريبي ، وتهريب الأموال بعد العام 2019، أو مسؤولية بعض الجهات النافذة ضمن القطاع المصرفي نفسه.
فجمعية “كلنا إرادة” تحاول احتكار شعار الاصلاح والشرف والنزاهة من جهة، وتقوم بمهاجمة كل ما هو ضدها من جهة ثانية. بينما الحقيقة ان رائحة الفساد المالي والسياسي تفح من تحركاتها المشبوهة.